نجلاء المسلاتي
بعد مماطلة وتأجيلٍ متكرر، قررتُ أن أعود لزيارة المدينة : مسقط رأسي وموطن قلبي . وما إن وطأت قدماي أطرافها حتى اجتاحتني الذكريات بقوة ، عادت بي إلى حقبةٍ فريدةٍ من حياتي ، مرحلةٍ ممتلئةٍ بالجنون اللذيذ ، مكتظةٍ بمشاعرَ متجددةٍ لا تهدأ، ومفاجآتٍ لا تنتهي.
كل شيءٍ آنذاك كان مزدحمًا على غير المألوف من المشاعر، والمتوقع من الأحداث .. وهذا كان جزءًا كبيرًا من سحرها. حتى التغييرات الملفتة في شوارع ومباني المدينة لم توقف سيل الذكريات المحملة بمشاعرها، وكأن الزمان لم يتحرك والأماكن تحتفظ بنبضها القديم رغم تبدل معالمها.
تذكرتُ نفسي حينها … كيف كنتُ أضحك وأحزن بعمقٍ وانفعال، وكيف كنتُ أجيد الكتمان بإتقانٍ غريب ، ذلك الكتمان الذي رافقني حين أخذتني الأقدار بعيدًا عن المدينة .. ومع ذلك ، وجدت سعادتي في مكاني الجديد ؛ وجدتُ راحتي .. سلام قلبي وهدوء نفسي .
ولا أنكر أنني كنت أحاول أن أتجنب كل ما يحفز مشاعر الحنين والاشتياق .. لكن بين الحين والآخر كنتُ أسمح لها بالتسلل، أشعر بها وأتفاعل معها برفقة ألحان وكلماتٍ عذبة ، لكنني لم أكن أفتح المجال لأكثر من ذلك.
وكثيرًا ما كانت تتردد في ذهني جملة قالها لي أحدهم :
_ لا يستعصي على النسيان شيء.
تلك الجملة أصبحت ترنيمة أرددها لنفسي كلما حاولت الذكريات اختراق سكينتي.
أحيانًا كنتُ أتساءل:
_ كيف تسارعت الأحداث وتجاوزت سرعة مغادرتي حدود إدراكي؟
_ والآن ، بعد هذه السنوات القليلة ، ما الذي أريده مع العودة ؟ وماذا سأفعل؟ وكيف سأشعر؟
كان ذلك أهم سؤال: كيف سأشعر؟ أعلم جيدًا أن هناك ما لا أريد الشعور به، ليس كرهًا في المشاعر بل خوفًا من أوجاعها وإن كانت جميلة.
همستُ لنفسي :
_ هل أستطيع المرور من هناك، من ذلك المكان تحديدًا؟
_ هل أمتلك الجرأة لمواجهة ما تركته خلفي طوعًا؟
_ هل سألقي التحية ؟ السلام؟ وهل سأشعر بشيءٍ ما؟”
نعم، بالطبع سأشعر .. هناك من لا أبصرهم لكنني دائمًا أراهم بقلبٍ لا تخطئه المشاعر ولكن .
_ هل سأظل مرتبطةً بجزءٍ من روحي لم أعد أملكه؟
لا أعلم يقينًا .. لا أملك إجابةً حاسمة .. كل شيءٍ ممكن، وكل شيءٍ مفتوح على احتمالاتٍ لا نهاية لها .. فالأمر يشبه فكرة الأكوان المتوازية .. حيث كل احتمالٍ أو اختيارٍ يمثل مسارًا مختلفًا في سلسلةٍ لا نهائيةٍ من الأكوان المتعددة.
اقتربتُ من لافتة الترحيب عند أعتاب المدينة. توقفتُ في حضرة الذكريات التي راودتني عنها. تذكرتُ تفاصيل يوم مغادرتي، وكيف كنتُ أراقب تلك اللافتة تصغر كلما ابتعدتُ عنها، حتى اختفت تمامًا عن نظري ، وكيف كان الحنين يكبر منذ تلك اللحظة ، وما زال يكبر حتى الآن بلا توقف .. “نعم… لا يزال للحنين سطوة.”
قلتُها بصوتٍ مسموع ، وكأنني أخبر نفسي بحقيقةٍ كنتُ أحاول الهروب منها وبخطواتٍ مترددةٍ ومشاعرٍ مختلطة دخلتُها…
لنرى ما الذي سيحدث ؟ !!!