جدلية الشكل، والمضمون في النقد الأدبي، وتأويلات القارئ
مجد العماري
منذ العصر اليوناني ، ظل مستمرا، ومتداولا للدراسة السؤال عن أولوية اللفظ (الشكل) أم المعنى (المضمون) ؟ واستمرت الدراسات، والتحاورات التي تجعلنا نبحث نحن أيضا؛ لنقول : طالما لم يصل الحوار لنقطة آخر السطر؛ إذن هناك ما يمكن عنونته بدء ( إشكالية التفريق بين الشكل والمضمون ) حيث شكل محورًا للنقاشات الأدبية بوضع أسئلة مهمة للتحاور مثل :
_ هل يُمكن فصل جمالية النص عن مضمونه الفكري؟
_ وكيف تؤثر هذه العلاقة على تلقي القارئ؟
تُجيب مدارس النقد المختلفة عن هذا السؤال بمنظور متباين ، فتُظهر أن العلاقة بين الشكل، والمضمون ليست ثنائيةً متنافرة، بل تفاعليةً تخلق ديناميكية النص .. فيما قرأت ودرست كان الناتج للإجابات من خلال التحاور كالآتي //
1. النقد الجديد: الوحدة العضوية للنص
اعتمد نقاد مثل كليانث بروكس، وجون كرو رانسوم على فكرة أن الشكل، والمضمون كـ جسد وروح؛ لا ينفصلان. ففي قصيدة “الأوراق الذابلة” لويليام بليك، لا يُمكن فصل صور الطبيعة المجازية (الشكل) عن فكرة الفناء (المضمون). هكذا، يرى النقد الجديد أن تحليل البنية اللغوية (كالإيقاع والاستعارة) هو مفتاح الكشف عن المعنى، دون الحاجة لسياقات خارجية.
تأثير القارئ: يُصبح القارئ مُحللًا، ينبش في النص بحثًا عن الوحدة الداخلية، حيث يُعيد بناء المعنى عبر تفكيك الشكل.
2. البنيوية وما بعد البنيوية: تفكيك الثنائيات
في مقابل النقد الجديد، قدم رولان بارت وجاك دريدا رؤيةً تُحطم الثنائيات التقليدية. فـ العلامة اللغوية عند بارت (دال/مدلول) ليست ثابتة، بل متغيرة حسب السياق الثقافي. أما دريدا، فشكك في إمكانية وجود معنى مستقر، مؤكدًا أن الانزياحات اللغوية (كالطباق أو الجناس) تُنتج تأويلات لا نهائية.
مثال تطبيقي : في رواية “الغريب” لكامو ، يُمكن قراءة جملة “اليوم ماتت أمي” كحدث بسيط (مضمون)، أو كتعبير عن العبث (شكلٌ مُقتضب يعكس فراغ البطل).
تأثير القارئ : يتحول من مُتلقي سلبي إلى شريك في إنتاج المعنى ، حيث تُطلقه الانزياحات الشكلية نحو تأويلات متعددة.
3. الماركسية والنقد الثقافي: الشكل أداة أيديولوجية
يرى تيري إيجلتون، وفريدريك جيمسون أن الشكل الأدبي (كبنية الرواية أو القصيدة) ليس بريئًا، بل يعكس صراعات طبقية أو هيمنة ثقافية. فاختيار لغة بسيطة في رواية “عناقيد الغضب” لشتاينبك (شكل) ليس مجرد أسلوب، بل تعبير عن صوت المهمشين (مضمون).
تأثير القارئ: يكتشف القارئ كيف تُخفي اللغة ظلال السلطة، فيُعيد قراءة النص كخطاب سياسي.
4. النقد النسوي وما بعد الاستعماري: اللغة كساحة صراع
حللت إيلين شوالتر، وإدوارد سعيد العلاقة بين الشكل والمضمون كتجلٍّ للهوية. ففي كتابات فرجينيا وولف، مثلاً، يُصبح تيار الوعي (شكل سردي) أداةً لتمثيل التمزق الأنثوي في مجتمع ذكوري (مضمون). وبالمثل، يرى سعيد أن استخدام الاستعارات “الشرقية” في الأدب الغربي (شكل) يُجسد خطابًا استعماريًّا (مضمون) ..
تأثير القارئ : يتحول إلى ناقدٍ واعٍ بتمثيلات الهُوية والآخر في النص.
5. الشكلانية الروسية ونظرية التلقي: التغريب وفعل القراءة
أكد فيكتور شكلوفسكي أن وظيفة الأدب هي التغريب (جعل المألوف غريبًا) عبر تقنيات شكلية، كالتكرار أو الانزياح. أما فولفغانغ إيزر، فرأى أن المعنى يولد من التفاعل بين النص والقارئ. ففي قصيدة “أغنية نفس” لوالت ويتمان، يُنتج الإيقاع المتدفق (شكل) إحساسًا بالتحرر (مضمون)، لكن تأويله يختلف باختلاف خبرات القراء.
تأثير القارئ: يصنع المعنى عبر حواره مع الإشارات الشكلية التي يبثها النص.
6. التفكيكية: هشاشة الحدود
ذهب بول دي مان إلى أن التناقض بين الشكل والمضمون هو: جوهر الأدب. ففي الشعر الصوفي، مثلًا، يُعبر الانزياح اللغوي (شكل) عن عجز الكلمات عن احتواء التجربة الروحية (مضمون)، مما يُظهر أن اللغة دائمًا ما تخون المعنى.
تأثير القارئ: يُدرك أن النص يحمل في داخله بذور تفككه، فيرفض القراءة الأحادية.
لا ينفصل الشكل عن المضمون ، بل يُشكلان معًا نسيج النص الحيوي .. فكما يقول ميخائيل باختين: “الكلمة جسر بين الذات والآخر” .. وكل مدرسة نقدية تُضيء جانبًا من هذا الجسر، لكن التحدي الأكبر يبقى في قراءة النص، كـفضاء حوار تُختبر فيه حدود اللغة، وتتعدد فيه تأويلات القارئ.
بهذا، تصبح قضية اللفظ والمعنى ليست سؤالًا نظريًّا مجردًا، بل قلبًا لنقاشٍ أبدي عن ماهية الأدب، وقدرته على خلق عوالم موازية تُغني تجربة الإنسان.