الأخبار الشاملة والحقيقة الكاملة​

2026-02-18

11:12 مساءً

أهم اللأخبار

2026-02-18 11:12 مساءً

الخطيئة صرخة ضد الغربة في الوطن

محمد مهنـا

محمد مهنـا

في قصة قصيرة مكثفة بعنوان “خطيئة المواطن المُزيف” يضعنا الكاتب الليبي حسين بن قرين درمشاكي أمام مرآة قاسية للوطن حين ينكر أبناءه. بطل القصة ، سالم المطاطي ، ليس مهاجراً غريباً ، بل ابن الجنوب الليبي الذي لفظته الصحراء فالتجأ إلى الشمال بحثاً عن الحياة. غير أن ملامحه الفقيرة وقربه من الحدود جعلته نسخة مشوهة في نظر الجماعة ، لتطابق عليه صورة “الغريب غير المرغوب فيه”.

قراءة نقدية :

 “خطيئة المواطن المُزيف” نص قصصي قصير مشحون بالرمزية والحمولة الفكرية والسياسية والاجتماعية ، ويكشف عن موهبة السارد في المزاوجة بين لغة شعرية مشهدية ، وبين خطاب احتجاجي يعكس مأساة المهمّشين والمنفيين داخل أوطانهم.

1. المستوى اللغوي والجمالي  :

اللغة مفعمة بالتكثيف الاستعاري والصور الحسية القوية : “شمس طرابلس تلسع الإسفلت كجلد ثعبان محتضر”، “كهَماج بحيرة في صيف قاس”، “بأصابع خشنة كجذور شجر صحراوي”. هذه الصور لا تكتفي بالزخرفة ، بل تنقل حرارة التجربة ومرارتها.

حضور التكرار الدلالي بين اللافتة الحمراء و اللافتة البيضاء يخلق ثنائية جمالية/فكرية (الرفض الجماعي – الاستغاثة الفردية). وكأن النص يرسم مواجهة بين “صوت الجماعة” و”صوت الإنسان”.

الإيقاع يتدرج من صخب البداية (المظاهرة ، الهتافات ، الصرخات) إلى خفوت النهاية (أنفاس سالم الأخيرة ، اللافتة الممزقة). هذا التدرج يمنح النص بنيةً مأساوية متماسكة.

2. المستوى الرمزي والفكري :

سالم المطاطي شخصية تتجاوز فردها لتصبح أيقونة لمأساة “المنفي في وطنه”. اسمه “سالم” يحمل مفارقة صارخة : لم ينجُ من جراح الجماعة ، ولم يجد السلام.

حبات القمح الثمانية رمز عميق للأرض والخصب والأمل في الاستمرار. سحقها الشبان بأقدامهم يرمز إلى سحق الهوية والجذور ، ورفض الاعتراف بالمشترك الوطني.

اللافتة البيضاء بمثابة شهادة ميلاد بديلة ، كتبها سالم بنفسه ليؤكد انتماءه ، لكنها لم تُقرأ ؛ تمزقت كما تمزق جسده . البياض هنا يتحول إلى “كفن رمزي” يغطي جثته في النهاية.

النص يفضح خطاب الكراهية الذي يخلط بين “الغريب الحقيقي” و”الابن المهمش”، ويحوّل الضحية إلى متهم ، والمواطن إلى دخيل. هذه “الخطيئة” ليست خطيئة سالم بل خطيئة المجتمع الذي أنكر ابنه.

3. البنية الدرامية :

السرد يسير وفق خط مأساوي : مقدمة مشهدية – مواجهة رمزية – انكسار – موت/خاتمة.

استخدام تقنية “التوازي” بين اللافتتين يخلق حبكة مكثفة : الأحمر/الرفض الجماعي مقابل الأبيض/الاستغاثة الفردية.

النهاية تحمل قوة “المفارقة التراجيدية” : سالم يموت ليس لأنه مهاجر ، بل لأنه لم يُعترف به كمواطن ، فصار “المواطن المزيف” في نظر الآخرين.

4. القيمة الأدبية والفكرية :

النص يحقق بعدًا مزدوجًا :

أدبيا : لغة شعرية ، صور حية ، بناء رمزي محكم ، شخصية مأساوية واضحة المعالم.

اجتماعيًا/سياسيًا : يطرح سؤال الهوية والانتماء في ليبيا المعاصرة ، حيث التمايزات الجهوية والعرقية تُنتج غرباء داخل الوطن.

5. ملاحظات نقدية :

في بعض المقاطع قد يشعر القارئ بثقل الصور المتلاحقة التي تقترب من “النص الشعري” أكثر من السرد القصصي، مما قد يحدّ من الانسيابية الحكائية . لكن هذا الميل الشعري يعزز الطابع الاحتجاجي للنص.

كان يمكن توسيع الحوار الداخلي لسالم لإبراز أزمته النفسية بشكل أعمق ، بدل الاقتصار على المشهد الخارجي .

مع ذلك ، فإن هذا التكثيف ينسجم مع طبيعة “القصة القصيرة” التي تراهن على اللمحة المكثفة لا على التفصيل .

 خلاصة القراءة :

“خطيئة المواطن المُزيف” قصة قصيرة تشتبك مع أسئلة الوطن والمواطنة والانتماء ، وتضع القارئ أمام مفارقة موجعة : كيف يصبح ابن الأرض غريبًا في رحم أمه ؟ النص شهادة فنية على أن الغربة ليست دائمًا في المنافي البعيدة ، بل قد تُفرض قسرًا على الإنسان في شوارع مدينته.

* هذه القصة يمكن عدّها صرخة فنية وحقوقية ضد “التوطين الزائف” و”الإقصاء الجهوي”، وفي الوقت ذاته، عمل أدبي متقن في لغته ورموزه وبنيته الدرامية.

“خطيئة المواطن المُزيف” ليست مجرد حكاية عن سالم وحده، بل عن كل ابن أرض يتحول إلى غريب حين تسود الكراهية وتُمحى الحدود بين الوطن والعدو. إنها نص أدبي، وصرخة حقوقية في آن، تذكّرنا بأن أخطر أنواع النفي هو نفي الداخل : أن يصبح المواطن غريباً في رحم أمه.

خطيئة المواطن المُزيف _ قصة الروائي والقاص . حسين بن قرين درمشاكي

ارتجَّت الأرض تحت حذاء سالم المطاطي المهترئ. شمس طرابلس تلسع الإسفلت كجلد ثعبان محتضر، بينما الصرخات حوله ليست مجرد ضجيج؛ هي قذائف من النفي تتناثر في الهواء. عيناه، كهماج بحيرة في صيف قاس، التقتا بـاللافتة كصفيحة من نار وثلج، حفرت عليها الحمرة القانية الحكم الأخير: “لا للتوطين… ليبيا ليست سبيلًا،” في إشارة رجل أسود مكبل يرفع يديه كاعتراف مُطلق بالهزيمة.

غطى سالم قبضته على جيبه الأيمن. لا يملك مالًا يمسك به.فقط صورة طبعت على ورقة عملة قديمة في جيبه، بها وجه فاطمة وابنه عمر، دليلًا على أن له تاريخًا لم يبدأ عند هذا الرصيف. أربع سنوات من الجفاف في الجنوب قذفته شمالًا، لا مهاجرًا، إنما حطام سفينة تبحث عن مرفأ في وطنها. “إنهم آفة الوجود! جلبوا لسرقة ما تبقى من ضوء!” هدر المتحدث، فارتعش سالم، ورأى الجموع تتحرك كـمد أسود يبتلع الشواطئ. تلك الكلمات، التي تجرد الغريب من إنسانيته، تعريه هو أيضًا، ليغدو “المهاجر غير النظامي” في كل مكان: في نظر صاحب الورشة، وفي عيون الحارس.

تسلل من حافة المظاهرة إلى الزقاق الخلفي، حيث تترنح الظلال وتفوح رائحة القمامة. أخرج من حقيبة مهترئة لافتة أخرى، عثر عليها تحت ركام حريق قديم، خلفيتها بياض مُدلهم، كأرض لم يخطو عليها بشر بعد. بأصابع خشنة كجذور شجر صحراوي، وضع على الأرض ثماني حبات قمح صغيرة. ليست للزرع الآن. إنما هي أوزان على طرف اللافتة لمنع الريح من خطفها؛ هذا كل ما تبقى له من أرضه الأصلية، رموز لبركة ضائعة. ثم سحب قلمه الحبر الباهت، وكتب على البياض بخط يميل ويضطرب كشجرة تحت عاصفة: “أنا لست طامعًا في حصتكم. أنا أبحث عن خيمة لي ولولدي في هذه الأرض. أنا ابنها الذي لفظته الصحراء.”

عاد إلى التجمع وجلس في الخفاء، متكئًا على جدار متصدع، رافعًا لافتته البيضاء الجديدة. سرعان ما شعر المتظاهرون بوجود جسم غريب في الحشد. ثلاثة شبان، بملامح حادة كشفرات سكاكين، اندفعوا نحوه. “ماذا تفعل أيها الغريب؟ هل أنت عميل لهم؟” سأل أحدهم بصوت كحجر يتكسر. لم يجب سالم. اكتفى بالنظر إلى الأحرف التي خطها على البياض. انقضوا عليه، مزقوا اللافتة تمزيقًا، طحنوا حبات القمح بأقدامهم القوية، كأنها جراثيم يجب إبادتها. وهطلت عليه اللكمات.

لم يكن الحشد يدرك أن سالم ليس مهاجرًا أجنبيًا عابرًا للقارات؛ إنه ليبي من أهالي فزان، نزح إلى الشمال بحثًا عن حياة بعد أن تحولت قريته إلى مقبرة للآمال. لكن جوعه ولباسه الرث وقربه الجغرافي من الحدود الجنوبية جعله نسخة مطابقة لـصورة المنكر والعدو التي رسمت على اللافتة الحمراء. تكسرت أنفاسه الأخيرة وهو يرى شعارهم القاسي: “ليبيا ليست سبيلًا.” أدرك في تلك اللحظة أن الرفض لم يكن للغريب فقط. لم يمت سالم من الضرب؛ قتله يأس أن يكون غريبًا في رحم أمه. أصبحت اللافتة البيضاء والممزقة فوق جسده، بكل بياضها، شهادة على أن الوطن حين يغضب، لا يميز بين ابنه وطريده.

شارك المقالات:

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حاسبة العملة