(قراءة في قصيدة “لا تبع” للشاعرة الليبية عفاف عبدالمحسن)
حمام محمد
بعنجهيّة دلاليّة هزّني الحرف الماثل على حمّادةٍ منتصبة، ملوّنة بتربة الصنع، فيها مدوّنات لونيّة خارقة أحرزت الشاعرةَ الليبية عفاف عبدالمحسن على التمكين لمتلازمة تأويليّة، بعنوان
لا تبيع . ورغم أنّ العنوان يُقرأ سيميوطيقيًّا ويُحتفى به كعنوان ترابيّ يتعلّق بعقار مادّي ومعنوي في آن، إلا أنّه يكشف أفقًا رمزيًّا أعمق.وعندما رجعتُ إلى إحصاء القيم الإيجابية وجدتُ النص حافلًا بالصور المتباينة، التي تتدفق بعفويّة، مبدّدة المسافات، لنقترب من قصيدة لا تبيع. هنا، سأتناول دراسة مجسّمها الإبداعي في ثلاث زوايا:
• الزاوية التشكيلية
قامت الدراسة على اعتماد لوحة ماتعة تمثّل صراع القيم الإيجابية والسلبية في مجتمعات أغرتها المادة وغيّبت الروح الأصيلة. فكلّ ما تقع عليه عين الجمال والـ “أنا” و”الهو” يتجلّى بمحض الإتقان والذوق الخصب. إنّ الناظر إلى بهرجة الجمال في آيات التدبّر الكوني، في اختلاف الليل والنهار، ونمط قوس قزح، والمتتاليات الطبقيّة بين السماء والأرض، سيدرك أنّ الجمال هو اقتباس من الروح الأصيلة،طالما تأملتُ الألواح الزيتية وهي تتعمّد حلولها دون صدق، فكنت أرى أنّها تحمل مواصفات الجمال ذاته. وأحيا أكثر حين يميل ماء الأمطار إلى تلوين منظر قوس قزح، فيزداد الجمال إلى زوايا كثيرة، رغم أنّ المطر يضرب أليافه كالحجر ولا يتكرّر منظر ولا لون. وتلك هي حالة الشاعر الأصيل وهو يعبر عن الجمال وسط المقلقات.
لقد نوّعت الشاعرة عفاف عبدالمحسن ألف كلمة وقيمة إيجابية وأخرى سلبية، لتقنع القارئ بألا يبيع. فجاءت القصيدة خفيفة، كخفّة تساقط قطرات المطر، على طريقة محمود درويش: ليست غارقة ولا مبتلّة، لأنّ القلب أوسع درجة من هطول الماديّة على بصر الشاعر.
قالت: *لا تبيع*. فقوّمت قيمها السلبية في الرياء في الحزن، الخيانة (بيع المواقف)، الجفاء، الانسحاب عند الشدّة، ،.أما قيمها الإيجابية فتمثّلت في: الوفاء، الاحتواء، الدفء الإنساني، الثبات على العهد، الصداقة المخلصة، الأمان، السلام، التضامن مع المخلصين، الصدق في المشاعر.
تناثر السرد بوصفه شعوريًّا غير آبه بالحكي، كلام يشبه حديث المونولوج النفسي الخطابي لمتلقي على المنصّة، قد يكون صديقًا، أو حبيبًا، أو عزيزًا، أو غاليًا غلاوة الوالدين. ولو ربطنا بين القيم السابقة نُشخّص حالة الشاعرة الشعورية بين الأمان والغدر، إذ هما معبران هامّان للأعراض المذكورة، وفي وجدان رهيف حساس،ويبقى السؤال: ما هي أساليب الغدر التي تحاول العبث بشعوريّتها الرائقة؟ وهل سيتغلّب الأمان مرة أخرى؟ وهو دائمًا الغالب في عرف الشعراء.
إنّ الهدف الأسمى من قصيدة الشاعرة عفاف هو الرفع من قيمة الوفاء وإعلاؤه، رغم مواجهة الزمن القاسي، معلنة عدم بيع الصدق وعلائقه، في رسالة إلى البشر بالرجوع إلى الأخلاق الراسخة في أصول العوائل العربية.
• الزاوية السيميائية
لو نظرنا سيميائيًا إلى العنوان *لا تبيع*، لوجدناه صرخة إمبراطورية جازمة، متأكدة من قرارها: أداة نهي، تدعو إلى عدم التخلّي عن الصدق، مما يظهر مسار الشاعرة على شخصيّتها الوفية الصادقة.
تبدأ القصيدة بالمطر، رمز الخير والرزق، يتهاطل وكأنّه يريد أن يصرخ في وجه الإنسان الناكر للجميل. تصف الشاعرة جفاف الريق كمرحلة رمزية، تدل على الذين مرّوا دون مبالاة، عاشوا ولا يزال بعضهم يكتنفهم الرياء. كان على عينيها حجارة تتجه إلى المتخفي في داخله، لتطلب منه أن يتصف بالوفاء، وأن يتدثر بنسم الوفاء الخالص، وألا يبيع.ثمّ تذهب لتصف جذب الخريف وبرودته، مشيرة إلى الخيانة كأمر مكتسب يسمح الإنسان بدخوله، ..
• الزاوية الأدبية
من الناحية الأدبية، جاءت القصيدة غنيّة بالمحسّنات البديعية، كالاستعارات: ريق الروح جف الدفء ينخره الصقيع، الغصن يترك الأوراق نهب الريح.كما اعتمدت الطباق والتكرار للفظة “لا تبيع” التي زادت النص جمالًا وتحفيزًا للقراءة،ولمتابعتي المستمرة للأعمال النقدية، وجدت أنّ النص يتسم بالترابط النصي الطولي، إذ يتجه في خط استقامي: عرض للمطر، غضب من وضع حزين، استنجاد، ثم دعوة للوفاء، ثم تقييم الوفاء. فجعلنا نتصفح النص بمفهوميّة، واضحة كالشمس في وضح النهار.

القصيدة محل النقد :
لا تبع
مطر تهاطل عابثا
وهناك .. ريق الروح جف
يستجدي قطيرة ماء
العابرون بعضهم
يزم الشفاه
الآسفون حزنهم رياء
فيا .. أيها المجلل بالوفاء ..
الدفء في هذا الزمان
ينخره الصقيع
اجعل دثارك احتواء
لا تبع ..
” من شَدّ على يديك “
حينَ أفلتَها الجميع
بقلبك شُد عليه
لا تكن وضيع ..
الغصن في الخريف
يترك الأوراق نهب الريح
فكن لحِبِكَ الأمان
وكن لصحبك السلام
كن دائما للمخلصين ربيع
لا تبع