الأخبار الشاملة والحقيقة الكاملة​

2026-01-15

5:47 مساءً

أهم اللأخبار

2026-01-15 5:47 مساءً

الحارس

01

فتح الله المجذوب

في الليل، كان الظلام يزحف تجاه القرية المحاصرة بين الجبل والبحر. كأن العتمة تنساب من فوق قمة الجبل لتدفع بقايا النور الخجول إلى الأفق البعيد ،  حيث تبتلع الأمواج أطراف الشمس على مهل،  لينسدل بعد لحظات ستار اسود، او وشاح خشن يغطي جسد القرية المستسلمة للاقدار،

ينبعث ضوء متقطع من رأس المنارة القديمة يغازل ليل القرية الفج وهو يلتهم معالم الشوارع وهياكل المباني العتيقة، حتى تماثيل المرمر البيضاء  المصطفة عند الشاطئ ضاعت ملامحها فصارت كأنها أشباح خرجت لتو من عمق البحر.

 اما عند الفجر تنقشع الظلمة وتظهر ملامح القرية، يصيبك جمالها بالذهول، قرية تداعب وجه الشاطئ وتدير ظهرها للجبل.

تطل الوجوه الناعسة من خلال نوافذ ذات اشكال مختلفة مثلثة ومربعة، تدب الحياة تتنفس الشوارع وتفصح الأمزجة عن رغباتها تفوح رائحة القهوة المحلية من المقهى الصغير والوحيد القابع في زاوية شارع (فياروجينا )   بينما تنتشر في الأنحاء رائحة (  امبيت) مضغوط في البراميل الخشبية او الجوابي والاقبية المخفية.

تلامس ارجل العابرين ارصفة التاريخ ، حيث تزاحمت الحضارات في هذه القرية،  واستقر المهاجرون  اليونانيون هنا على اطراف أوربا ونقلوا حضارة الجزر الى القرية  المرمية على الشاطئ كقطعة اسفنج،  فتشكل مجتمع أنيقٌ قرية ذات وجه إيطالي وخلفية اغريقية.

وسط هذا الجمال  ينتصب برج حديدي ضخم عال يكاد يلامس السحاب يستند على  قوائم سميكة مغروسة في الأرض، تتدلى منه اسلاك (وكوابل) سوداء كأنها ثعابين، تنتهي رؤوسها في علب وصناديق داخل غرفة صغيرة،  في اعلى البرج تلتصق صحون كبيرة  تشبه الطبول، يمكن رؤيتها من أي اتجاه ، يقف شاخصا كانه يتلصص على بيوت القرية، ويسترق السمع لحكايا البحارة العائدين من مواجهة اليم وتحدي غضب الأمواج من أجل لقمة العيش، او للخرافات المتناقلة بين السكان عن ( عن عفريتة عبد القرية) يلف البرج سور حجري له مدخل واحد امامه حجرة صغيرة عرفت بدار الغفير(الحارس).

يمتطي الحارس مفتاح الدرب الترابي متجها الى وسط القرية، يسير على مهل شابكا يديه خلف ظهره، يهكع الى الجهة اليمنى حتى تخاله سيقع إلا أنه يتجاوز هذه العيب في رجله ، يسير بثبات يتوقف بين فترة وأخرى

يشرع صدره للهواء المحمل برائحة الليمون القادمة من (سواني الفيترو) يتنفس بعمق، تتداههم الذكريات التي خدشت قلبه وتركت ندوبا لم تندمل بعد، تتجمع الدموع في عينيه الذابلتين، يتماسك، يواصل السير حتى بداية الشارع الضيق، يتوقف يطيل النظر نحو البيت المهجور المحشور في زاوية الشارع الضيق ، اقتلعت نوافذه والابواب صار موحشا لا حياة فيه.

بقايا خشب النافذة مازال عالقا ، احس بغصة في حلقة

اقترب من النافذة اطلق زفرة حارة، هنا كانت الفتاة القرتيلية تنتظر مروره عند كل مغيب. يتبادلان نظرات خاطفة سريعة لكنها كافية ليرتشف ملامح وجهها الجميل ، وعينيها الزرقاوين ، وشعرها الذهبي المتدلي  على جبينها العريض .

حرك الشنة الى مقدمة رأسه حتى اختفى نصف حاجبه الكث. ثم تمتم بحرقة( نصيب) لا يحب مفتاح نبش الماضي وازدحام الذكريات الموجعة،  كان دائما يتكئ على جراحه ويبتسم للألم، وكثير اًما اخرج لسانه للظروف الصعبة التي أحاطت به، كان يملك قدرة القفز والهروب الى الامام حتى أصبحت حياته هروبا مستمرا من مواجهة الواقع.

وصل مفتاح الى مقر عمله بعد ان عم الظلام ولم يعد يرى سوى أضواء  خافتة تتسرب من بعض البيوت المتباعدة لا تكاد تُظهر شيئًا.

استلم مفاتيح الغرفة من حارس( التوكة) السابقة كرر الحارس نصائحة المعتادة ، همس بصوت خافت

( يامفتاح رانا مسكين الدولة مع ارقبتها)

اياك والنوم او ترك المكان ، ابتسم مفتاح وهو يشير بيده الى اعلى البرج ياترهوني من يستطيع سرقة هذه الاطنان من الحديد .

هز الترهوني رأسه بينما دخل مفتاح الغرفة، اشعل سيجارة الاطلس سيئة السمعة ، واخذ ينفث الدخان   الى اعلى السطح، تفحص بنظره الاسلاك الملونة المتشابكة المغزولة كظفائر الفتيات.

تمم محدثا نفسه ( ايش يبي ايكمل هذه الليلة)

تسرب الملل سريعا إلى نفسه، تذكر نصائح الترهوني

جال ببصره في سطح الغرفة المتشقق.

قال هامسا لنفسه ( ليلة ما تمشي إلا بطرح كارطة اشكبة) قرر ان يلجأ إلى حيلته القديمة ، فقد جربها عدة مرات ، اخرج من أحد ادراج المكتب المهترئ مذياعا صغيرا، شغل المذياع ، بحث عن اذاعته المفضلة ( صوت العرب من القاهرة)

رفع صوت المذياع الى اقصى حد وضعه على الصندوق الملاصق للنافذة ، ثم اطبق الباب وانطلق مسرعا نحو صديقه ( القريتلي ماجه)

لعبا الورق وتسامرا حتى ساعات الفجر الاولى وهكذا في اغلب الليالي التي يحرس فيها مفتاح البرج.

ذات يوم وهو عائد من وسط القرية احاط به مجموعة من الرجال الغرباء، واقتادوه الى أحد المقرات الأمنية،ليجد نفسه في مواجهة سيل من التهم .

أسقط في يده عندما علم ان البرج قد تعرض للتخريب في نفس الليلة التي كان يلعب فيها الورقة مع رفيقه القريتلي.

قالوا : له أن البرج خُرب على أنغام وأناشيد صوت العرب من القاهرة، التي كان مذياعك المغبر( يتلعلع) بها

اطلق مفتاح تنهيدة ضعيفة، ثم قال محدثا الضابط

وقد امتلأت عيناه بالدموع، اسمع اقولها لك بصراحة

أنا أكره هذا البرج من كل قلبي، وأتمنى في كل صباح ان اجده قد وقع في البحر، وان أرى تلك الطبول تعوم تتقاذها الأمواج، لا أدري كيف اشرح لك الأمر، لكني امقته. فهو مجرد خنجر غرس في قلب قريتنا.

لكنني اقسم لك انني لم، افكر يوما في تخريبه،ثم  من يستطيع تخريب هذه الكتلة الحديدة الباردة، استمر مفتاح، وهو يلتفت نحو الوجوه الجامدة التي تنظر اليه دون  أن ترف اجفانها. لعله يتعرف على أحدهم ، لقد كان يبتسم في استجداء للحاضرين محاولا تبسيط الأمر.

ياقوم هذا ليس علبة كبريت او( قرطاس دخان)

هذا برج ..برج.

قال: الضابط وقد رسم ابتسامة صغيرة تدلت من جانب فمه الكبير، لكنه يستطيع ان يقطع الاسلاك النحاسية.

أحيل مفتاح الى النيابة وهناك تعرف على مسميات أخرى لتهمته.

لقد كان يرتعش خوفا كلما اشار اليه الرجل ذو الانف الافطس بأصبعه كأنه يتوعده ، إن هذا المتهم تسبب في قطع اوصال الوطن، وضعضعت الاقتصاد، ونهيار العملة، تصور ياسيدي القاضي أن الذي يقف امامكم قد خنق الوطن من رقبته لقد عزلنا عن العالم. ولعلك تعي ياسيدي القاضي ماذا يعني قطع كابل محوري.

اندهش مفتاح من كلمات الرجل فقد كان يعرف ان البرج خاص بالاتصالات فقط.

 كاد مفتاح ان يصاب بالإغماء عندما قال القاضي

اعترف يامفتاح هل معك أخرون؟

استمرت محاكمة مفتاح شهورا عدة، استمات فيها محامي الدفاع محاولا اقناع المحكمة أن الأمر برمته لا يعدو نوع من الاهمال .

بعد مداولات حكمة المحكمة على مفتاح بالسجن لمدة عام مع ايقاف التنفيذ.

وكما هي عادة القرى الصغيرة، ينتشر الخبر بسرعة ثم يصبح حكاية متداولة يتلاعب بها خيال الرواة فتصبح قصة طويلة تروى في كل بيت وعند كل ناصية.

كان سكان القرية يستقبلون مفتاح بالابتسامات والاحضان المشرعة وكثيرًا ما همسوا في أذنه

(قرصة في العدو تشفي)

يبتسم مفتاح وهو لا يعرف ماذا يقصدون

لكنه في قرارت نفسه يعرف أنه انتشل من جب عميق

يمم وجه شطر البحر  ،يتأمل المراكب الصغيرة وهي تسير على مهل تترك خلفها زبد الموج الأبيض .. تحاشى النظر الى البرج ، سار بخطوات متعثرة نحو الشاطئ ، وهو يردد لنفسه  نجك الله

شارك المقالات:

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حاسبة العملة