الأخبار الشاملة والحقيقة الكاملة​

2026-01-15

1:52 مساءً

أهم اللأخبار

2026-01-15 1:52 مساءً

لماذا يفسد الناس ؟!!

الصديق بو دوارة

الصديق بو دوارة

لماذا يفسد الناس؟

وكيف ينتشر الفساد بعد ذلك في دوائر أوسع وأكبر وأعم؟

 وهل للفاسد منهجية تقوده عبر سراديبها من مرتبة إلى أخرى؟

وفي الختام ، هناك السؤال الأكبر والأخطر والأهم :

هل للفساد حدود يمكن أن يتوقف عندها؟

كيف يفسد التفاح؟

إن الاجابة عن هذه الحزمة من الأسئلة تقتضي أن نعرف أولاً لماذا تفسد التفاحة مثلاً في صندوق التفاح؟ وكيف يفسد بقية التفاح في الصندوق بعد ذلك؟

إن التفاحة تنمو وتتهيأ لها الأسباب حتى تصل إلى مرحلة النضج، وإذا تخطت هذه المرحلة ولم تؤكل فإن بدنها يبدأ في إطلاق غاز الايثيلين، وهو غاز جيد في المساعدة على إتمام النضج،

 أي بمعنى أنه سبب مهم جداً في الوصول إلى مرحلة اكتمال الكائن ( وهو هنا التفاحة ) ولكن ما الذي يحدث بعد ذلك؟ النضج يتم ، يصل إلى مرحلة الاكتمال ، وتقتضي قوانين الطبيعة هنا أن تؤكل التفاحة ، لكن عندما يتأخر تنفيذ القانون ، وتنضج التفاحة لكنها لا تؤكل ، فإن هناك عاقبة سيئة لعدم تنفيذ قوانين الطبيعة .

لذلك يمكن لنا أن نتذكر ذلك المثل الذي يقول إن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده .

وهكذا يتواصل انبعاث غاز الايثلين كما هو مقرر له، ولأن الغاز لا يعرف وظيفةً له إلا أن يواصل عمله، فإنه يتراكم ويتزايد انبعاثه حتى يفيض عن حاجة التفاحة موضوع الحديث، فتبدأ في التحول من مرحلة النضج المشتهى المطلوب إلى مرحلة الفساد حيث يتغير اللون والطعم وتنتن الرائحة.

هذه هي قصة التفاحة مع الفساد ، فهل تنطبق هذه القصة مع فساد البشر؟

التفاح المظلوم :

تلزمنا للإجابة على هذا السؤال أن نقرأ رواية ، نعم ، لكي نصل إلى المعرفة ينبغي أن نقرأ ، وهل المعرفة إلا نتيجة رائعة لمتعة القراءة التي لا تعادلها المتع ؟

إن الرواية المقترحة هي ” بيت الجمال ” وهي للكولومبية ” ميلبا أسكوبار ” وهي فاتحة رواياتها المترجمة إلى العربية، وهي الفائزة بالجائزة الوطنية للرواية الكولومبية، وكون الرواية من كولومبيا فإن هذا يجعلنا نتوقع أن تتحدث عن الفساد، لأن لكولومبيا هذه ( وأغلب دول أمريكا اللاتينية )  تاريخ عامر برائحة التفاح الفاسد.

 الرواية تبدو كمبضع جراح وهي تتعمق في تشريح جسد المجتمع الكولومبي المخملي بحثاً عن الفساد وتنجح في كل مرة فتتوغل في المزيد .. فمجتمع كولومبيا المخملي مجتمع فاسد ، لكنه لا يعاني من رائحة التفاح الفاسد، ولا من تغير لونه، ولا من رداءة مذاقه ، إنه وبمعجزة بسيطة أشبه بلعبة حاوي يفلت من هذا كله ليرتدي عباءة المنصب المحترم أو الوجاهة التي يخشاها المجتمع أو علامة السطوة التي يتحصن وراءها النافذون … هكذا يفسد التفاح لكن بلا رائحة الفساد المعروفة، وهكذا تبدأ المعضلة الكبيرة التي لم تجد البشرية حلاً لها إلى الآن، إن الفساد يبدو جميلاً جداً وهو القبيح.. جداً أيضاً.

إننا نعثر على هذه العبارة التي تبدو وكأنها ترشدنا إلى ما نريد الوصول إليه :

(( صحيح عزيزتي، هذا مؤسف في الحقيقة ، أنتِ ما زلتِ شابة، لذلك يجدر بك مغادرة البلد والبدء من جديد في بلدٍ آخر، هنا تزدهر كولومبيا جديدة لا مكان فيها إلا لأناس أثرياء لا ندري من أين أتوا ولا كيف جمعوا ثرواتهم. ))

إن الكاهن والبرلماني المتنفذ “دياثر أنادوس” أثناء تهديده للطبيبة “كاين”  يلخص مدى تغول الفساد في كولومبيا بهذه العبارة التي لا تحتاج إلى شرح كثير:

 (( انظري حضرتك يا دكتوره، لقد نشأت في كنف عائلة تتسم بالصرامة ، ولقد اشتغلنا دائماً بالسياسة ، ودافعنا عن مصالحنا بشراسة الذئاب ))

هنا سوف نتذكر أسطورة التفاحة والفساد ، وسوف نتعرف أكثر على الفارق المذهل … وإذا كانت التفاحة الفاسدة تشعر بالخجل من كونها فاسدة ، وتهرب من تردي حالة رائحتها ولونها ومذاقها، فإن الفاسدين هنا لا يشعرون بأي حرج في كونهم فاسدين، إنهم هنا يتباهون بالفساد، بل أن هذه العبارات الصريحة تحمل في طياتها معنى يفيد بأن منظومة الفساد قد تطورت إلى حد أنها اعتبرت الاشتغال بالسياسة ” شغلاً “، ينتج مصالح ، واعتبرت هذه المصالح كعبة مقدسة ينبغي الدفاع عنها بشراسة الذئاب … السياسة في عرف الفاسدين ليست مهمة سامية ، وليست تمثيلاً للشعب ، وليست مسؤولية جسيمة ، إنها بالنسبة لصندوق التفاح الفاسد هذا (( مجرد آلة لتفريخ “المصالح” )) وعلى أبناء هذه  الآلة الجهنمية أن يدافعوا عن نتاج آلتهم بشراسة الذئاب.

في الرواية نجد ذلك أيضاً ذلك التقليد المقزز الذي تسميه الرواية “الجولة المليونية”، وهو تقليد إجرامي معتمد، يقضي باصطحاب المختطف الذي يكون ثرياً في الغالب في جولة في شوارع المدينة وسط الضرب والايذاء حتى يفرغ الخاطفون من تفريغ ما تحتويه حساباته في البنوك من أموال بواسطة البطاقات المصرفية التي لا يستطيع الاعتراض على استعمالها بحكم وضعه الحرج ، وعندما يفرغون من ذلك ينزلونه في أول مكان مناسب ويختفون، هكذا، بلا رائحة ولا طعم ولا لون.

إن المزعج من هذا التصرف الاجرامي ليس فقط في تعديه وتغوله على أرزاق الناس ، إنه أيضاً يتحول إلى ” تقليد متبع”، أي أن سلوك قسري كهذا يصبح مصطلحاً متعارفاً عليه بين الناس ، بل إن هؤلاء الضحايا يصبح عليهم أن يرضخوا له وأن لا يحاولوا الهروب منه ، وإذا تجرأ أحدهم وحاول الفرار فإنه يموت برصاصة من مسدس قاتل كما حدث في الرواية، وسط لامبالاة من المجتمع المرعوب أصلاً تنتج هذه اللامبالاة بأنه كان على الضحية أن يرضخ لقواعد الجولة المليونية، ولو أنه “رضح واستجاب” لكان حياً يُرزق الآن ….. وكأن المنطق العليل هنا يلقي باللوم على الضحية وينحاز إلى جانب الجاني الذي لم يعد يخشى رد فعل أحد.

الإجابة عن سالف الاستفهام:

إن كل ما سبق قد يسهم في بعض الفهم الذي يقودنا إلى بعض الإجابات ، فالفاسد يعمل وفق منهجية ترى أنه في مأمن من العقوبة ، وذلك فهي تبعث له بالرسائل المطمئنة وكأنها تخبره أن المزيد من الفساد سوف يأتي له بالمزيد من الخير ، وكأن الهدهد الذي أرسله ذات يوم قد رجع له بالخبر اليقين قائلاً : امض في طريقك ، هناك المزيد من الثروات والنفوذ ، فلا تتأخر، الغنيمة تنتظر وأنت خير من يغتنمها.

إن الكارثة في موضوع الفساد ليس في كونه فساداً فقط ، وليس في أنه عمل خارج عن القانون ،  كما الكارثة ليست أن يصبح القانون نفسه متفرجاً كبقية المجاميع المرعوبة على المشهد بفعل فساد آليات التنفيذ وتفعيل المواد القانونية ، لكن الكارثة الحقيقية تقع عندما تتغير النظرة إلى الفساد من كونه عمل غير مشروع إلى كونه “تحصيل حاصل”، وتقليد مألوف، ورد فعل مناسب على غلاء الأسعار واستجابة للمتطلبات الحياتية المتسارعة، واستجابة “مشروعة” لمفهوم الغابة التي ينتصر فيها الأقوى.

إن الفاسدون المبجلون في مجتمعات العالم الثالث المنكوبة يرفعون شعارهم بلا خجل هذه المرة، وينشدون على مسمع من المحرومين ذلك البيت المتبجح لعمرو بن كلثوم :

ونشربُ إن وردنا الماء صفواً / ويشربُ غيرنا كدراً وطينا

إن خزانة بيت مال الناس هنا هي الماء الزلال الذي يحق لهم وحدهم أن يشربوه، أما غيرهم من الناس فهم أولئك ” الغير ” الذين ليس أمامهم من حل سوى أن يشربوا “الكدر” و” الطين”، وهما في العادة المشروبان المتاحان لمن هم تحت مستوى خط الحياة الكريمة.

 أولئك الذين  يعيشون بلا فساد ويعلمون أولادهم فضيلة القيم الرفيعة والخلق القويم.

والخلاصة هي أننا لن نستطيع الإحاطة بتاريخ الفساد عبر العصور مهما خصصنا لعملية البحث هذه من مساحة ، وذلك لأنه كائن تمتع بخبرات متراكمة جعلته يطور من قدراته عصراً بعد عصر، لذلك نعثر عليه مهما قلبنا صفحات التاريخ، وفي كل الحضارات،

ونجد أبطالاً له في كل نسخة من تاريخ دولة أو تجمع بشري مهما تفاوتت درجات الحضارة أو مستويات التمدن.

فقط، تظل النظرية العامة لا تتغير، التفاح الفاسد مظلوم جداً إذا ما قورن بالفاسدين من بني البشر.

شارك المقالات:

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حاسبة العملة