الأخبار الشاملة والحقيقة الكاملة​

2026-01-15

12:01 مساءً

أهم اللأخبار

2026-01-15 12:01 مساءً

الكرسي رقم” 11″ في شبيه الروح

01

عبدالسلام بن إبراهيم

للمرة الثانية يقدم الشاب الليبي عبدالسلام بالقاسم إبراهيم إبراهيم المعروف في الوسط الإبداعي الأدبي ” بن إبراهيم _ إحدى قصصه القصيرة للتباري هذا العام 2025 م بين عدد من إبداعات قصصية لقصاصين شباب من الوطن العربي ( سوريا . لبنان . السودان . العراق . مصر . تونس . المغرب . موريتانيا . فلسطين . غزة . ليبيا ) وتحصل على الترتيب الحادي عشر من بين المتسابقين .. وللترتيب حكاية طريفة درجت على ألسن الشباب المبدعين أثناء تواجدهم في جمهورية مصر العربية شهر يونيو 2025 إذ المصادفة أن عنوان قصته المشاركة الكرسي 11 وجاء ترتيبه 11 وكأنها إشارة لشيء ما ..
.. هذه المرة المسابقة في دورتها السادسة تقدمت بها ” شبيه الروح ” دار النشر والتوزيع المصرية وتحمل اسم الأديب ” محمد إبراهيم طه ” وكما الدورات الخمس السابقة .. أعلنت الدار في ختام المسابقة إصدار كتاب تحت عنوان ” شبيه الروح ” يجمع قصص المبدعين العرب الشباب المشاركين وقدمت قائمة بالتراتيب كما ستدرج قصصهم في الكتاب بذات التراتبية .. أعلنت شبيه الروح النتائج في شهر سبتمبر 2025 م وبصدور المجموعة القصصية الجامعة تعلن الدار في شهر أكتوبر الجاري أن الإصدار سيشارك معرض الكتاب الدولي بالقاهرة 2026 م بإذن الله ..
كان القاص الليبي الشاب عبدالسلام بن إبراهيم الوحيد الذي مثل بلاده ليبيا .. ونفتخر كما يفتخر هو بإنجازه الأدبي باسم ليبيا .


القصة :
الكرسي رقم ” 11 “
في المستشفى العام، وتحديدًا في جناح الانتظار الذي يشبه الأزمنة البطيئة، كان الكرسي رقم 11 دائمًا شاغرًا… لكنه لا يُنسى.
صفٌّ طويل من الكراسي الحديدية، تحمل آثار العابرين: غبار الأقدام، قهقهات الأطفال، وبصمات الترقب. وكان الزمان هناك يتكئ على أنين المرضى، وضجيج الممرضات، وصوت التلفاز المكسور الذي لا يغيّر قناته.
لكنّ الكرسي رقم 11 له حكاية.
لم يكن أحد يجلس عليه طويلًا. يجربه الناس لبضع دقائق، ثم ينهضون كأنّه يحمل وخزًا خفيًا، لا يُرى، ولا يُقال.
حتى جاء “جلال”.
شاب في الثلاثين من عمره، نحيل، ذو لحية غير مهذبة، وعيون لا تعرف الراحة. كان يرتدي سترة قديمة كأنها خرجت من زمن الحرب، ويحمل بين يديه دفترًا صغيرًا، يفتحه بين حين وآخر ليخط فيه كلمات سريعة. لم يكن مراسلًا، ولا طبيبًا، ولا حتى مريضًا كما يبدو. فقط… رجل يجلس في الكرسي رقم 11 كل صباح.
كان يأتي عند السابعة صباحًا، يطلب شايًا من كشك الاستقبال، يجلس، ويمضي ساعة أو أكثر في التأمل والكتابة.
لاحظتْه “سعاد”، عاملة النظافة، التي تحفظ الوجوه كما تحفظ أصابع يديها. قالت لصديقتها يومًا:
– “الغريب هذا لا يزور أحدًا… ولا يشكو من شيء… لكنه يكتب كثيرًا.”
مرّت أيام، ثم أسابيع، و”جلال” لم يغب.
سأله أحد الأطباء ذات مرة:
– “هل تنتظر أحدًا؟”
فأجاب بهدوء:
– “بل أكتب لمن لا ينتظرهم أحد.”
لم يفهم الطبيب، وانشغل بنقل حالة حرجة.
لكن “جلال” ظلّ على الكرسي رقم 11، يُدوّن أسماءً، ويجمع حكايات.
كان يتحدث أحيانًا مع المرضى، يسألهم عن قصصهم، يكتب دون أن يطلب مقابلاً، ثم يعود في اليوم التالي بشيء مطبوع على ورقة بيضاء، يقدّمه بلطف:
– “هذه قصتك… كما رويتها لي.”
فقال له عجوز ذات يوم:
– “أنا مجرد رجل على حافة العمر، ما أهمية قصتي؟”
فأجابه جلال:
– “الحافة أحيانًا هي أجمل نقطة في اللوحة.”
وذات مرة، جاء طفل صغير مع جدته، كان مريضًا باللوكيميا، لكنه يضحك ببراءة الدنيا.
سأله جلال:
– “ماذا تحب أن تصبح حين تكبر؟”
قال الطفل:
– “أريد أن أكون سوبرمان، لكنني سأصنع أجنحة للناس الذين لا يستطيعون المشي.”
كتب جلال قصته، وقرأها عليه في اليوم التالي، فكافأه الطفل بابتسامة وسأله:
– “طيب، أنت تعمل ماذا؟”
تردد جلال، ثم قال:
– “أنا أكتب لكي لا أنسى.”
بعد عدة شهور، بدأ الحراس يلقبونه: “كاتب الكرسي 11″، وصار البعض يجلس بجانبه طلبًا لحديث دافئ، أو قصة تُروى.
لكن في صباح يوم خريفي، لم يأتِ جلال.
ولا في اليوم الذي يليه.
ولا الذي بعده.
الكرسي رقم 11 عاد فارغًا، لكن عبق القلم ظلّ هناك.
سألت سعاد عنه، فأخبرها أحد المرضى:
– “سمعت أنه تعب فجأة… ودخل العناية المركزة.”
تسللت سعاد إلى ملفه الطبي ذات ليلة، وقرأت:
“الاسم: جلال يوسف عبد الحميد
الحالة: متلازمة قلبية
الملاحظة: تأخر في التشخيص – لا أقارب.”
بكت سعاد دون أن تعرف السبب الحقيقي. لم تكن تعرفه، لكنها كانت تنظّف حول قدميه كل صباح وتشعر بالسلام.
وبعد أسبوع، توفي جلال.
لكنه ترك خلفه صندوقًا صغيرًا عند موظف الاستقبال، عليه ورقة مكتوب فيها:
“لمن لا يُنسى…”


في الصندوق:

• عشرات القصص، مطبوعة بعناية

• دفتره الشخصي، وقد كتب في آخر صفحاته:

“لم يكن قلبي قويًا بما يكفي لحمل العالم، لكنني حاولت.

كتبت لأن بعض الحكايات تموت إن لم يُخبرها أحد.

الكرسي رقم 11… كان بوابتي للحياة، وأنا المغادر.”

قررت إدارة المستشفى تخصيص رف صغير بجانب الكرسي رقم 11، وُضعت فيه قصص “جلال”، مع لافتة تقول:

“هنا جلس رجلٌ منح الغرباء حياةً ثانية… بالحبر.”

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الكرسي رقم 11 يشبه سواه.

كل من يجلس عليه، يفتح دفترًا، أو يروي حكاية.

وكأن “جلال” لا يزال هناك…

يبتسم، يُنصت، ويكتب.

وفي ليلةٍ ممطرة من ليالي ديسمبر، دخلت المستشفى شابة في منتصف العشرينات ، تحمل حقيبة صغيرة ووجهًا أنهكته الدموع .. لم تكن تعرف عن الكرسي رقم 11 شيئًا ، ولم تكن تقصد الجلوس هناك تحديدًا ، لكن خطواتها قادتها إليه ، كأن المكان ناداها بصمتٍ خفيّ .

جلست ، ثم نظرت إلى الرف بجانبه ، تناولت إحدى القصص، وبدأت تقرأ.

وما إن انتهت ، حتى سالت دمعةٌ صامتة على وجنتها.

شعرت وكأن الكلمات كُتبت لها ، وكأن “جلال” عرف وحدتها ، وخوفها ، وذلك الألم الذي لا يُسمّى.

في اليوم التالي… عادت.

وجلست .

وكتبت .

وهكذا ، بدأت الأوراق تتراكم على الرف ، لكنها لم تكن فقط قصص “جلال” ، بل قصص من جلسوا بعده …

رجل فقد زوجته ، فكتب رسائل لم تُرسل.

أم أنجبت طفلتها الأولى ، فدوّنت أول صرخة.

طالب طب في سنته الأولى ، كتب عن أول مرة سمع فيها: “توقف قلب”.

تحوّل الكرسي رقم 11 إلى مرآةٍ للقلوب المنسية ، ومحرابٍ صغير للبوح ، وممر خفيٍّ بين الألم والأمل.

وذات يوم ، جلس عليه شابٌ يشبه “جلال” في ملامحه … أو ربما كانت عيناه فقط تحمل ذات الحزن النبيل.

 قرأ دفترًا، ثم أخرج قلمًا وبدأ يكتب .. اقتربت منه “سعاد”، وقد شاب شعرها قليلًا، وسألته بابتسامة:

  • “أتراك تكتب لأحد؟”

فأجاب بهدوء:

  • “بل أكتب لمن سيأتي بعدي.”

فابتسمت ، ومسحت الأرض من حول الكرسي ، برفق، كما كانت تفعل دائمًا.

وهكذا…

لم يعد الكرسي رقم 11 مجرد مقعد في جناح الانتظار .

بل أصبح ديوان الحكايات الصامتة ، منبر الغرباء ،

وممرّ العابرين نحو الضوء.

ومن يجلس عليه ، لا يخرج كما دخل.

وكأن “جلال” كتب آخر سطر، لكن الحكاية…

لم تنتهِ.

شارك المقالات:

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حاسبة العملة