تشهد الساحة الليبية على مدار أسابيع مضت، جدلاً واسعًا حول الوضع القانوني لجمعية “بررة الخيرية”، بعد تضارب البيانات الصادرة عن مفوضية المجتمع المدني بنغازي وطرابلس، والتصريحات المثيرة لرئيس الجمعية محمد الجراح، التي فتحت الباب أمام تساؤلات قانونية ومالية ودينية حول عمل الجمعيات الأهلية وآليات الرقابة عليها في ليبيا.
موقف مفوضية المجتمع المدني – بنغازي
أعلنت مفوضية المجتمع المدني في بنغازي أن جمعية “بررة الخيرية” غير مسجّلة لديها رسميًا، ولم يصدر عنها أي قرار يمنح هذه الجهة الإشهار أو الإذن بمزاولة النشاط.
وأكدت المفوضية أن الجمعية “والعدم سواء”، وأن أي نشاط أو تعامل يصدر باسمها يُعد باطلًا ومخالفًا للقانون، محذّرة جميع الجهات والأفراد من التعامل معها أو ممارسة أي نشاط تحت هذا المسمى، مشيرة إلى أن المخالفين سيُعرّضون أنفسهم للمساءلة القانونية.
موقف مفوضية المجتمع المدني – طرابلس
من جانبها، أصدرت مفوضية المجتمع المدني – فرع طرابلس بيانًا توضيحيًا مفصلًا حول الوضع القانوني للجمعية، جاء فيه أن الرسالة المؤرخة في 17 نوفمبر 2024، والتي تداولها البعض كدليل على الترخيص، كانت موجهة بصفة مؤقتة إلى جهاز الأمن الداخلي بناءً على طلب من الجراح، بغرض تسليم بعض الإجراءات لحين صدور الإشهار، ولا تُعتبر بأي حال من الأحوال إذنًا للمزاولة.
وأضافت المفوضية أن الجمعية حصلت بالفعل على إذن الإشهار والمزاولة بتاريخ 12 ديسمبر 2024، إلا أن هذا الإذن تم تعليقه لاحقًا في 8 سبتمبر 2025 بسبب عدم التزام الجمعية بتقديم تقارير مالية وإدارية مطلوبة خلال المهلة المحددة (15 يومًا).
وفي 27 سبتمبر 2025، نُشرت قوائم الجمعيات المسجلة، وأُشير إلى أن جمعية “برّرة” موقوفة ومُدرجة ضمن الجمعيات المشبوهة، مع حظر اسمها نهائيًا في منظومة التسجيل.
وأكد البيان أن استخدام الرسالة القديمة يُعد تزويرًا وتضليلًا يُعاقب عليه القانون، وأن الجمعية موقوفة تمامًا وعديمة الأثر القانوني. وطالبت المفوضية مكتب النائب العام والجهات الرقابية بالتحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
قرار الإيقاف وأسبابه
وفق بيان المفوضية، فإن قرار الإيقاف جاء نتيجة مخالفات قانونية متعددة، أبرزها جمع التبرعات وتحويل الأموال دون إذن مسبق، وعدم الالتزام بتقديم التقارير المالية والإدارية، فضلًا عن تجاوزات في أغراض الجمعية المعلنة.
كما أكدت المفوضية أن خطاب الإيقاف المسبب تم توجيهه رسميًا إلى الجهات الرقابية ومكتب النائب العام، وأن الجمعية تُعد “معدومة الأثر القانوني”.
تصريحات رئيس الجمعية محمد الجراح
في المقابل، خرج محمد الجراح، رئيس جمعية “برّرة الخيرية”، بسلسلة تصريحات عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل، وصف فيها مفوضية المجتمع المدني – طرابلس بأنها “عفنة”، واتهمها بالحسد والغيرة، مؤكدًا أن الحساب المصرفي الذي تُودع فيه التبرعات باسمه الشخصي قد جُمِّد من قبل وحدة العمليات المالية في مصرف ليبيا المركزي بسبب “بلاغ كيدي” يتعلق بوجود عمليات مالية مشبوهة.
وأوضح الجراح أن الرصيد المجمد يبلغ 963,884 دينارًا ليبيًا، مؤكدًا أن المبلغ يمثل تبرعات وزكوات من المواطنين لصالح غزة، وأن الجمعية أوقفت عملها مؤقتًا في قطاع عرْهْ حتى رفع التجميد أو حل الجمعية نهائيًا.
كما أشار إلى أن الجمعية جمعت خلال 15 شهرًا تبرعات تجاوزت 35 مليون دينار ليبي لصالح أهالي القطاع المحاصر، لافتًا إلى أن الأموال لم تُودع في حساب الجمعية وإنما في حسابه الشخصي.
في تصريحات لاحقة، أقر الجراح بأن الأموال تُحول إلى حسابه مباشرة، مؤكدًا أنه ينتظر نتائج التحليل المالي لتحديد ما إذا كانت هذه الأموال “غسيل أموال أو تحويلات قانونية”، على حد قوله.
تصاعد الجدل وتصريحات مثيرة للجدل
في مقطع مصوّر، أطلق الجراح تصريحات اعتُبرت تحريضية وتكفيرية، قال فيها إن “قوانين الأرض يجب أن تخضع لقوانين السماء”، وأضاف: “نحن صفّان فقط: صف النبي والصحابة وكتائب القسّام، ومن مولهم من الشهداء وسام بن حميد في بنغازي، واللي مش معانا فهو صهيوني.”
اعتبرت هذه التصريحات مؤشرًا على انحراف الخطاب الديني للجراح نحو التطرف، ما أثار قلقًا من توظيف العمل الخيري في سياقات سياسية أو فكرية متشددة.
ردود الفعل القانونية والرقابية
أكد عدد من القانونيين أن القضية لم تعد تتعلق فقط بجمع التبرعات، بل أصبحت نموذجًا على استغلال الثغرات القانونية لتبرير مخالفات مالية.
وفي هذا السياق قال الأكاديمي والباحث في قضايا الحوكمة والأمن أسامة الشحومي إن جمعية “برّرة” لم تمتثل لأي قانون نافذ ينظم عمل الجمعيات، مشيرًا إلى أن القانون رقم (19) لسنة 2001 واضح في اشتراط الحصول على إذن مسبق لجمع التبرعات وإيداع الأموال في حساب الجمعية وليس الحسابات الشخصية.
وأوضح الشحومي أن دور المفوضية رقابي وتنظيمي وليس تشريعيًا، وأن الهجوم عليها بحجة عدم شرعيتها “لا يُبرّر مخالفة القوانين نفسها”.
وأضاف أن الحكومة أصدرت في مارس 2023 تعميمًا يمنع التعامل مع المنظمات غير المسجلة، ما يؤكد أن الإطار القانوني للجمعيات لا يزال خاضعًا للرقابة الرسمية.
موقف مفوضية طرابلس ورد انتصار القليب
ردّت الدكتورة انتصار القليب، رئيس مفوضية المجتمع المدني – طرابلس، عبر صفحتها على “فيسبوك”، على اتهامات الجراح، مؤكدة أن فلسطين قضية الجميع، لكنها رفضت “الاستعطاف والمتاجرة بالقضية لجلب التعاطف”، مضيفة:
“فلسطين ما يتزايد علينا حد في حبها وانتمائها، أما الاستعطاف والتمثيل بدور الضحية لجلب التعاطف والمتاجرة بالقضية فهذا مرفوض.”
كما نفت القليب ما أُشيع عن صدور حكم قضائي بإقالتها، مؤكدة أن ما يُنشر “عارٍ تمامًا عن الصحة”، وأن ما حدث “محاولة لتشويه السمعة من شخص انتحل صفة قاضٍ”، مشددة على أن من يقف وراء هذه الإشاعات سيُعاقب قانونًا.
بيان دعم من مؤسسات مدنية
من جانبها أصدرت إدارة الماجدات للنهوض بالمرأة والطفل بالجمعية الوطنية لرعاية الشباب بيان دعم للدكتورة القليب، وصفها بأنها من الشخصيات البارزة التي ساهمت في بناء مؤسسات المجتمع المدني، مؤكدين استمرارها في أداء مهامها، ومنددين بمحاولات التشويه التي تتعرض لها.
تحركات صحفية وقانونية
فيما وجه الصحفي محمود المصراتي رسالة رسمية إلى انتصار القليب طالب فيها بتوضيح الوضع القانوني للجمعية استنادًا إلى القرار رقم (5) لسنة 2023، الذي ينص على أن الشخصية الاعتبارية للجمعية لا تثبت إلا بعد استكمال مرحلتي القيد والنشر.
وأشار إلى أن “جمعية برّرة” لم تستوفِ شروط الإشهار النهائي، وأن جمع التبرعات دون إذن مسبق وفتح حسابات مصرفية دون موافقة المفوضية يُعد مخالفة صريحة للقانون.
وفيما تنتظر الأوساط القانونية والرقابية نتائج التحقيق في شبهات تحويل الأموال، تظل القضية مفتوحة، ومآلاتها مرهونة بمدى التزام جميع الأطراف بالقانون واحترام مؤسسات الدولة.