الأخبار الشاملة والحقيقة الكاملة​

2026-01-15

10:22 صباحًا

أهم اللأخبار

2026-01-15 10:22 صباحًا

عن البطل الميت من أول لقطة                                             

عن البطل الميت من أول لقطة                                             

محمد الاصفر

ذهبت مزحة في مجالس العائلة أو الأصحاب في بنغازي وربما في ليبيا عامة .. ولكن أن يبلورها الروائي والناقد محمد الأصفر في رواية عنوانها ” البطل يموت من أول لقطة ” الصادرة حديثا عن دار الكتاب . تونس .. فتلك رواية أخرى وليس غريبا عن صديقنا الأصفر أنه يجذب بأعماله الأدبية عامة من أول العنوان لأخر كلمة فيها؛ لنستمر ننهل من معين ما كتب والرواية بعنوانها هنا جرتنا لنبحث أكثر عن محتواها ولم يصلنا منها إلا بعضا لكنه يهمنا .. القارئ للعنوان سيعتقد أن البطل مهمشا كما في ” النكتة عن بطل ليبي مثل في فيلم أمريكي كاوبوي وسأله القاتل أنت فلان رد نعم هذا أنا فقتله وهنا بدأ تتر البداية ” .. ولكن أبعادا أخرى عناها الأصفر دقيق التحليل لحيوات الآخرين التي قرأ عنها أو التي حاكاها بينهم ومعهم في بنغازي وتخيرنا للقارئ عن خبر رواية البطل يموت من أول لقطة حكاية سيحبها الجميع لأنه عنى بها فنانا شعبيا أحبه الجميع رحمه الله ” عبدالجليل عبدالقادر ” المعروف شعبيا ” عبدالجليل الهتش ” فجاءت الجزئية عنه تحت عنوان :

Extra 51.jpg4 51

” يا طير سلم لي على غاليا
                                                      

سبعينيات القرن الماضي كان الفنان عبدالجليل عبدالقادر يدخن كثيرا ويفرط في شرب القهوة ، صالة البيت في حي المحيشي ضيقة ، لكن أصحاب العرس احتاطوا للأمر ، فأخلوا المنور الواسع والغرفتين الأخريين اللتين تفتحان على الصالة من الأثاث ، ليس مهما أن ترى عبدالجليل وهو يغني ، المهم أنك تسمعه حتى وإن كنت أمام البيت ، العازفون يبدأون العزف ، وعبد الجليل يدخن ، ولا يبدأ مواله ، هناك لحظة معينة ينتظرها عبدالجليل كي يدخل عالمه ، وتكون كل الأمور في يده ، ديكتاتورية فنية يمارسها على المستمعين ، على الكلمات ، على الموسيقى ، على الآهات العفوية المنطلقة من أعماق حنجرته ، كل الحضور يتحولون إلى كورس ، حتى وإن كانت الأغنية أو التبرويلة جديدة ويسمعونها لأول مرّة ، يرددونها خلفه دون خطأ في الكلمة أو نشاز في اللحن ، معروف عن سكان المحيشي أنهم خليط من كل القبائل الليبية ، حيث امتزجت كل فنون ليبيا في إحساس واحد ، سهل عليهم التعاطي مع أي فلكلور سواء من الشرق أو الغرب أو الجنوب .

البيت مليء بالمستمعين ومنهم من قد أتى من أحياء أخرى كالفويهات والماجوري والصابري والبركة  وبوزغيبة والرويسات وغيرها من أحياء بنغازي ، بل هناك من يأتي لحضور حفلات عبدالجليل من مصراتة ودرنة وطرابلس  ، و يعم صمت القبور في الصالة المكتظة وحتى أمام البيت ، ويبدأ عبدالجليل في إطلاق  مواله بصوت خافت ، وموسيقى شبه صامتة ، وسط عبّرة تختلط فيها الكلمات بالدموع ، فنان فمه يبكي وعيناه تغنيان ، أغلب أغنيات ومواويل عبدالجليل سيرة ذاتية ، سيرة عاطفية واجتماعية واقتصادية لمدينة تعاند حظ تعس ، قلبه يحترق بالدخان بالألم بالإحساس ، ولا شيء يطفئ حرقة القلب غير الغناء ، أثناء الموّال الكل يصمت ، وكذلك أثناء الأغنية ، فتفاصيل صغيرة جدا في صوت عبدالجليل كهمهمة أو بحة أو حتى كحة بسيطة أو تحريكة رأس أو تسوية شعر أو سحق عقب سيجارة في المنفضة بطريقة عصبية مهمة جدا لعشاقه ومحبيه ومتذوقي فنه ، أثناء الموال والأغنية الكل صامت ومتيقظ ومتحفز للرد على عبدالجليل بشكل ممتاز يرضيه يجعله يواصل الغناء ولا ينهي الوصلة بعد بدايتها بقليل بكلمة بوريك ، ولكن أثناء التبرويلة يحدث بعض الابتهاج والضحك والمرح الذي يسمح به الفنان عبدالجليل ، خاصة عندما يرقص أحدهم وسط الصالة ثم يرمي الشملة على شاب خجول يتمنع أولا ويحاول أن يخرج ، ولكن لا يستطيع ولابد أن يرقص ، فهذا عرف أصيل في المرسكاوي .. ويرقص ، ثم يرمي الشملة ( حزام يربط على وسط الراقص وينزل قليلا على المؤخرة ) على شاب آخر .. والأجواء تكون مبهجة جدا ، وبالمناسبة لا يوجد في العرس شرب قرابا  أو تدخين حشيش، ولكن قد يكون هناك بين الحضور شباب شاربين أو مساطيل قبل دخولهم العرس ، لكن غالبا ما يكونوا مؤدبين يستمتعون بالغناء ولا يخرجون عن طورهم ،

Extra 76.jpg2 76

ويغادرون عند نهاية الحفلة إلى سياراتهم وإلى بيوتهم بكل رقي وذوق واحترام .. أغاني كثيرة غناها عبدالجليل ، قد تكون كلماتها في هذا الوقت غير ملائمة أو غير مستساغة لجيل اليوم ، الذين يغنون عنه ”  جيل اليوم ما عنده عقيده .. لا ….. ولا يتسأل عنه ” ، لكنها تظل تراثا شعبيا عبّر ذات يوم عن أحاسيس عاشها الإنسان في زمن ما وفي ظروف ما .. لكن بعض أغانيه مازالت معبرة جدا حتى عن وقتنا الحاضر ، و لا يمكن أن يتم تقييم عبدالجليل من خلال شريط كاسيت أو سي دي سجل بتقنيات فنية متواضعة ، لكن من حضر حفلاته الحيّة وعاشها واختلط به شخصيا وتعامل معه سيحس أنه أمام فنان كبير على المستوى الفني والإنساني والشخصي والرياضي .. باختصار كان عبدالجليل طيب القلب وخدوم وكريم وحساس جدا .. وكان يغني للأصدقاء .. و للحياة .. آخر مرة رأيته بعد الظهر يوم عيد الأضحى ، كان جالسا في صمت أمام نادي السواعد ، ينفث من سيجارته المارلبورو ، وكنت مارا بالسيارة ، توقفت ، عيّدت عليه ، هل تريد مكانا يا جليل أوصلك ، لا .. بارك الله فيك .. متريح هنا .. كانت محلات نادي السواعد جميعها مقفلة ، وكانت حركة السيارات قليلة ، الكل في حي المحيشي يعرف عبدالجليل ، والكل سيقدم له الخدمة إن احتاجها ، والجميع يعرف طبيعة عبدالجليل ، ورغباته في البقاء وحيدا متأملا ، لا تبدو على وجهه أي علامات غضب أو زعل ، كان مبتسما ، ويلوح للمارة العابرين ، ويرد السلام على مطلقه .. غادرت وأنا أنظر في مرآة السيارة التي أمامي ، ربما يرفع يده يطلبني أن أعود .. لم يرفع يده ظل ظهره للنادي ، ووجهه إلى الشارع ، بعدها توقفت سيارة ، ربما كان على موعد معهم ، عانقوه ، واركبوه السيارة ، وكرسيه المتحرك وضعوه في الصندوق الخلفي ، أبطأت السير فضولا ، كانوا متجهين نحو مفرق الوحيشي حيث محل بوراوي للمواد الغذائية ، انتظرت حتى وصلوا ، انعطفت يمينا ، وهم انعطفوا إلى الشمال ، وانطلقوا نحو حي السلام حيث سيمافروا الموت والطريق الساحلي ، هم أصدقاء أعرفهم من حرف سين ، سمر البشرة ، أكيد منطلقين بعبد الجليل إلى زردة قصيرة في المنقار أو عين زيانة أو شاطئ المنقار أو غابات مشروع رقم 2  ذات الأشجار القصيرة العطرة دائمة الاخضرار.

شارك المقالات:

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حاسبة العملة