كشف تقرير دولي حديث عن زيادة مقلقة في معدلات الإصابة بمرض الفشل الكلوي في ليبيا خلال السنوات الأخيرة، وسط توقعات بتحقيق سوق أجهزة الغسيل الكلوي نموًا قياسيًا ليصل إلى نحو 966.2 مليون دولار بحلول عام 2032، مقارنة بـ467.8 مليون دولار في نهاية عام 2021.
ووفقًا لموقع “أوبن بي آر” الألماني، الذي استند إلى دراسة صادرة عن شركة PMR المتخصصة في الأبحاث السوقية الدولية، فإن السوق الليبي سيشهد نموًا سنويًا بمعدل 4% مدفوعًا بزيادة حالات القصور الكلوي، وتحسن إمكانية الوصول إلى مراكز الغسيل، إلى جانب الاستثمارات المتواصلة في تحديث القطاع الصحي والبنية الطبية داخل البلاد.
أسباب الزيادة وتداعيات الأزمة الصحية
تشير بيانات محلية إلى أن ليبيا تواجه تحديات متفاقمة في مواجهة أمراض الكلى المزمنة، حيث كشف رئيس المنظمة الوطنية للتبرع وزراعة الأعضاء، محمود أبو دبوس، في وقت سابق من العام الجاري، عن وفاة أكثر من 170 مريضًا بالفشل الكلوي خلال العام الماضي بسبب ضعف الرعاية الطبية، رغم إنفاق الحكومة مليارات الدنانير على القطاع الصحي خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أبو دبوس أن عدد المرضى الذين يحتاجون إلى جلسات غسيل منتظمة يبلغ أكثر من 6,000 مريض، فيما يتابع نحو 10,000 آخرين حالتهم الصحية بانتظام، بينما يواجه نحو 30,000 مواطن خطر الإصابة بالمرض نتيجة تدهور الخدمات الصحية ونقص الإمكانات في المراكز المنتشرة بأنحاء البلاد.
من جانبه، أكد رئيس الهيئة الوطنية لأمراض الكلى نوري بالحاج، في تصريحات سابقة، أن 6 آلاف مريض، رقم لا يُعتبر مرتفعًا قياسًا بعدد السكان، إلا أن وتيرة الزيادة المتواصلة تستدعي تحركًا عاجلًا لاحتواء الظاهرة.
كما أعلن في يوليو 2025 عن تشكيل لجنة علمية متخصصة لدراسة أسباب تفاقم المرض ووضع خطة وطنية للحد من انتشاره.
وأكد أبو دبوس أن نحو 90 مركزًا لأمراض الكلى تعمل في ليبيا، لا يُعتبر منها سوى خمسة أو ستة مراكز في وضع مقبول، في حين تفتقر البقية إلى التجهيزات الأساسية والأدوية الضرورية.
دوافع النمو والجهود الحكومية
يأتي النمو المتوقع في سوق أجهزة الغسيل الكلوي نتيجة لارتفاع معدلات الإصابة بالمرض وتوسع الاستثمارات في الرعاية الصحية، إضافة إلى إدخال تقنيات حديثة مثل أجهزة الغسيل المحمولة والمنزلية التي تسهم في تحسين فرص العلاج خاصة في المناطق النائية.
وأشار التقرير الدولي إلى أن ليبيا تُعد من أوائل الدول في الشرق الأوسط التي بدأت تحديث بنيتها التحتية الصحية لتعزيز الرعاية اللامركزية، مع التركيز على رفع القدرة العلاجية للمستشفيات الكبرى في طرابلس وبنغازي ومصراتة.
العوامل البيئية والغذائية وراء تفاقم المرض
تتقاطع النتائج الميدانية مع دراسات أكاديمية ليبية أشارت إلى أن العوامل البيئية تلعب دورًا كبيرًا في انتشار أمراض الكلى، حيث أوضحت الباحثة ابتسام عامر الفيتوري من جامعة طرابلس، في دراسة نُشرت عام 2022، أن تلوث المياه والغذاء من أبرز مسببات الفشل الكلوي، إلى جانب العادات الغذائية الخاطئة، والإصابة المسبقة بأمراض مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.
كما حذرت أخصائية التغذية مها سالم من مخاطر استخدام مادة برومات البوتاسيوم في إنتاج الخبز، مشيرة إلى أن تجاوز نسبها المسموح بها يؤدي إلى أمراض خطيرة، منها السرطان والفشل الكلوي، لافتةً إلى أن بعض المخابز تستخدمها دون رقابة كافية.
نظام صحي هش وتحديات بنيوية
من جانبها أكدت منظمة الصحة العالمية أن مرضى الكلى من أكثر الفئات تضررًا من الانهيار الكبير في منظومة الرعاية الصحية بليبيا، حيث لا يحصل نحو 25% منهم على الرعاية الكافية، مما يعرّضهم لخطر الوفاة.
وأضافت المنظمة أن غياب الصيانة المنتظمة للأجهزة الطبية ونقص الأطباء المتخصصين وارتفاع تكاليف العلاج تشكل تحديات إضافية تعيق تحسين الرعاية.
ورغم الجهود الحكومية في إنشاء مراكز جديدة وتحديث التجهيزات، إلا أن استمرار الأزمات الإدارية والاقتصادية يحد من تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، ما يجعل أزمة مرضى الكلى واحدة من أبرز الملفات الإنسانية والصحية الملحّة في ليبيا.