تعيش المنظومة التعليمية في ليبيا واحدة من أعقد أزماتها مع استمرار تأخر توزيع الكتاب المدرسي للعام الدراسي 2025–2026، وسط جدل واسع حول شبهات فساد بملايين الدنانير، وتراشق بالاتهامات بين وزارة التعليم والشركات المتعاقدة.
وفي وقت بدأت فيه بعض المخازن تسلّم شحنات محدودة من الكتب، تتصاعد المطالبات الشعبية والحقوقية بفتح تحقيق شامل في ملفات التوريد والطباعة، بعد الكشف عن تعاقدات مثيرة للجدل مع شركات حديثة النشأة.
وفي هذا الصدد أكدت وزارة التربية والتعليم بحكومة الوحدة الوطنية، أن المخازن الرئيسية للكتاب المدرسي تواصل تسليم شحناتها إلى المخازن الفرعية بمراقبات التربية والتعليم، حيث تم تسليم شحنات إلى مراقبات بنغازي، مصراتة، وطرابلس المركز لتباشر توزيعها على المؤسسات التعليمية التابعة لها.
ورغم هذه الخطوات، ما زالت معظم المدارس في ليبيا تفتقر إلى الكتب الدراسية بعد مرور أسابيع من بدء العام الدراسي، ما أثار موجة استياء واسعة في الشارع الليبي.
العملية التعليمة معطلة
من جانبه قال مراقب التربية والتعليم بمدينة أجدابيا، حافظ القابسي، إن نسبة الكتب التي وصلت للطلبة لا تتجاوز 30%، منتقدًا تصريحات الوزير العابد التي حاولت التقليل من حجم الأزمة.
فيما عبر أمين سر اللجنة التيسيرية لمعلمي ليبيا سالم أرويحة عن استيائه الشديد من تأخر تسليم الكتب المدرسية، مؤكدًا أن العملية التعليمية تواجه تعطيلًا جديًا نتيجة غياب المناهج.
أما المسؤول الإعلامي بنقابة المعلمين بالمنطقة الشرقية قاضي ضيف الله الحسنوني، فقال إن المعلم والطالب يدفعان معًا ثمن التقصير الحكومي، مؤكدًا أن ارتباك الوزارة في ملفاتها انعكس سلبًا على الأداء التعليمي.
تصعيد شعبي وغضب في الشارع
أمام ذلك شن حراك أبناء سوق الجمعة هجومًا على وزارة التعليم بحكومة الوحدة الوطنية، معتبرًا أن مرور 39 يومًا على انطلاق العام الدراسي دون تسليم الكتب المدرسية أمر لا يمكن تبريره.
وقال الحراك في بيانه: “هل يُعقل أن تبدأ سنة دراسية بلا كتب؟ بلا استعداد؟ وكأن التعليم في ليبيا لا يعني أحدًا.”
واتهم البيان الوزير علي العابد بـ “الإساءة إلى المعلمات بدل الاعتذار عن فشله”، مؤكدًا أن المعلمين هم من صنعوا أجيال ليبيا بالأخلاق والعلم، وأن المساس بكرامتهم طعنة في ضمير الوطن.
اتهامات بفساد ضخم في عقود طباعة الكتب
في سياق أخر كشف الناشط الحقوقي حسام القماطي عن ما وصفه بـ “فضيحة الكتاب المدرسي”، موضحًا أن شركة “البشير”، التي تم تأسيسها في شهر أكتوبر الجاري بشراكة بين الوزير علي العابد وعائلة قداد، حصلت على عقود طباعة بقيمة 129 مليون دينار ليبي.
وأشار القماطي إلى أن هذه الشركة تأسست حديثًا وحصلت على عقد لتوريد الكتب المدرسية المطبوعة في إيطاليا، رغم أن رأس مالها لا يتجاوز 30 ألف دينار.
ووصف القماطي الصفقة بأنها حلقة جديدة من مسلسل الفساد في حكومة الوحدة، مطالبًا النائب العام بالتحقيق في التجاوزات الواردة في المستندات التي نشرها.
مستندات: إلغاء عقود 9 شركات وتكليف “البشير” وحدها
وأوضحت المستندات التي نشرها القماطي أن الوزير علي العابد ألغى بتاريخ 29 أكتوبر 2025 عقود 9 شركات محلية كانت مكلفة بطباعة الكتب المدرسية لتأخرها في التنفيذ، وقرر بتاريخ 27 أكتوبر 2025 تكليف شركة البشير للطباعة والنشر بتوريد 15 مليون كتاب مدرسي من إيطاليا.
وأشارت الوثائق إلى أن قيمة العقد الجديد بلغت نحو 90 مليون دينار، رغم أن الصفقة الأصلية كانت موزعة على الشركات التسع بقيمة إجمالية 127 مليون دينار.
شركات أجنبية تكشف تفاصيل التأخير
في سياق ذي صلة أكدت شركة روتوليتو الإيطالية في خطاب موجه إلى وزارة التربية والتعليم أن الكتب المدرسية تم طباعتها بالكامل وجاهزة في الميناء منذ شهرين، لكنها لم تُشحن بسبب تأخر فتح الاعتمادات المستندية.
وأوضحت الشركة أن التأخير تسبب في غرامات مالية باهظة وإلغاء حجوزات السفن عدة مرات، مؤكدة أن جميع الكتب خضعت للتفتيش وتم اعتمادها رسميًا، وأنها تطالب بفتح قناة تفاوض مباشرة مع الوزارة لتسريع عملية الشحن.
تعليقات وانتقادات من ناشطين وخبراء
أمام ذلك اعتبر الناشط طه حديد أن وزارة التعليم تحركت بعد فوات الأوان، موضحًا أن التعاقد مع الشركة الجديدة تم بعد مرور 40 يومًا من بدء الدراسة.
وقال حديد إن الوزارة “خطرلها” بعد كل هذا التأخير أن تتعاقد مع شركة لتوريد الكتب من إيطاليا، مشيرًا إلى أن سوء التخطيط والإدارة وراء الأزمة التي تمس الطلبة مباشرة.
في المقابل، وصف عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة الأزمة بأنها تحويل للكتاب المدرسي إلى سلعة في سوق الأزمات يتلاعب بها الفاسدون وتجار الورق والمطابع، مضيفًا أن الطالب هو الضحية بين الفساد الإداري والمصالح الشخصية.
مؤسسة حقوق الإنسان تطالب بالتحقيق الفوري
من جانبها أعربت مؤسسة حقوق الإنسان في ليبيا عن قلقها من استمرار تأجيل توريد الكتب للعام الثالث على التوالي، معتبرة أن ذلك يمثل إهمالًا جسيمًا وخرقًا للمادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على ضمان الحق في التعليم.
وطالبت المؤسسة مكتب النائب العام وهيئة الرقابة الإدارية بفتح تحقيق عاجل في ملابسات التأخير، مشيرة إلى أن الفساد وسوء الإدارة في وزارة التعليم ومركز المناهج هما السبب المباشر وراء الأزمة.
ديوان المحاسبة: تدابير رقابية استباقية
أصدر ديوان المحاسبة بتاريخ 19 أكتوبر 2025 قرارًا بإخضاع جميع معاملات طباعة وتوريد الكتابين المدرسي والتقني للعام الدراسي (2025–2026) لأعمال الرقابة المصاحبة.
وأوضح الديوان أن القرار جاء قبل رصد المخالفات الأخيرة، في خطوة استباقية لمنع أي ممارسات غير قانونية، مشيرًا إلى أن ما تبين لاحقًا من تجاوزات يؤكد أهمية الرقابة الاستباقية على إنفاق المال العام.
مستشار قانوني: الوزارة تتحمل المسؤولية
فيما قال المستشار القانوني هشام الحاراتي إن تحميل الوزير الشركات المحلية مسؤولية التعثر لا يُعفي الوزارة من واجباتها القانونية والإدارية بوصفها الجهة المتعاقدة والمشرفة على التنفيذ.
وأكد أن الوزارة أخلّت بمبدأ التحقق من أهلية الشركات ماليًا وفنيًا قبل التعاقد، مشيرًا إلى أن التعاقد من الباطن يمثل إخلالًا جوهريًا بشروط المنافسة.
وأضاف الحاراتي أن المنطق الإداري السليم يفرض تسوية الوضع القائم بدل الدخول في تعاقدات جديدة تُهدر الأموال وتؤخر العملية التعليمية.
تحرك البنك المركزي لصالح الشركة المثيرة للجدل
من جانبه أكد مصرف ليبيا المركزي أنه خاطب مصرف الجمهورية باستثناء شركة البشير للطباعة والنشر من السقف المحدد للاعتمادات المستندية لتغطية تكلفة الكتب المدرسية، بناءً على طلبها.
وأوضح المركزي أنه وافق على رفع سقف الاعتمادات بقيمة 23.5 مليون دولار لصالح الشركة، بشرط موافقة الجهات الرقابية المختصة واتخاذ الإجراءات المنظمة لاستعمال النقد الأجنبي.
الأكاديمي بن حكومة: الأزمة انعكاس للانقسام السياسي
ورأى الأكاديمي والباحث في التنمية المستدامة مصطفى بن حكومة أن أزمة الكتاب المدرسي تتجاوز الجانب الإداري والفني، مشيرًا إلى أنها انعكاس مباشر لحالة الانقسام السياسي وتدهور الوضع الاقتصادي في ليبيا.
وأكد أن الحل يكمن في خطة وطنية دقيقة لتأليف وطباعة الكتب وفق رزنامة سنوية واضحة، إلى جانب إنشاء منظومة رقمية لمتابعة مراحل الطباعة والتوزيع لضمان الشفافية والاستمرارية.
وزير التعليم يبرر: “الكتب مطبوعة بالكامل لكن التوزيع معقد”
أقرّ وزير التعليم بحكومة الوحدة الوطنية علي العابد بتأخر توزيع الكتب المدرسية، موضحًا أن 22 شركة محلية تم تكليفها بالطباعة داخل ليبيا وخارجها، لكن بعضها أخلّ بالتزاماته بسبب ضعف قدراته المالية.
وأضاف أن الكتب مطبوعة بالكامل، إلا أن عملية التوزيع تواجه تعقيدات فنية ونقصًا في الوقود وصعوبات النقل، مشيرًا إلى أن بعض الإدارات التعليمية لم تتعاون بالشكل المطلوب، وأن الوزارة تعمل على تجاوز الأزمة خلال الأسابيع المقبلة.
وبين تصريحاتٍ رسمية تتحدث عن طباعة الكتب بالكامل، ومؤشراتٍ ميدانية تؤكد غيابها عن المدارس، يبقى الطالب هو الخاسر الأكبر في أزمة تتجاوز حدود الإدارة إلى عمق الانقسام السياسي والفساد المالي.
ويرى مراقبون أن إنهاء هذا الملف يتطلب شفافية كاملة ومساءلة قانونية حقيقية، إلى جانب إصلاح شامل لآليات التعاقد والمتابعة في قطاع التعليم، حتى لا تتكرر كل عام مأساةُ عامٍ دراسيٍ بلا كتبٍ ولا رؤية.