امجاور اغريبيل
مثل غيمة حبلى بالمودة هطلت في صحراء عمره القاحلة، منذ أن رآها للمرة الأولى تسللت إلى قلبه واستقرت فيه بعد أن طردت سواها. يشكر الصدفة التي وضعته في طريقها. كان يتجول عبر صفحات الفيسبوك ليقرأ الكتابات التي ينشرها أصحابها على صفحاتهم. لفت نظره قلم جريء لغته جميلة، يهتم بالتفاصيل الصغيرة ويجيد الوصف والتعبير بكلمات تحقق الدهشة دون أن تفصح عن مكنونها بفضل رمزيتها الرائعة.
قرر أن يقترب منها ليتعرف على شخصيتها الحقيقية، فقد كانت تختفي خلف اسم مستعار (كودي) وتضع صورة جميلة توقع أنها ليست لها.
إذا أردت أن تثير اهتمام الأنثى، فعليك باستفزازها أو بإبداء إعجابك الشديد بجمالها وأناقتها. وفي عالم الفيسبوك، عليك أن تبدي إعجابك بما تكتب.
اختبأ في أحد زوايا الفيسبوك وما أكثرها، وشرع في متابعة منشوراتها وقراءة تعليقات أصدقائها. وعندما أحس بأنه صار على دراية تامة بما يعجبها وما لا يعجبها من التعليقات، قرر أن يفاجئها بتعليقه على منشورها. كان مزيجًا من النقد والإعجاب والاستفزاز المهذب. وعندما ارسلت له علامة الإعجاب على تعليقه في صورة قلب أحمر، عرف أنه خطا خطوة في الطريق الصحيح نحو التعرف عليها.
واستمر الأمر على هذا النحو لمدة كانت كافية لكي توافق على طلب الصداقة الذي أرسله لها.
الصداقة في عالم الفيسبوك تعني إمكانية التواصل والمراسلة وتبادل الآراء والنقاشات على الماسنجر.
كانت سيدة مثقفة تجيد الحوار وتتذوق الكلام الجميل، وترد عليه بأسلوب أجمل.
سرعان ما تحولا من صديقين فيسبوكيين إلى صديقين حقيقيين، بعد أن وجد فيها ما كان ينقصه، ووجدت هي فيه قلبًا دافئًا ودودًا، كثيرًا ما باحت له بما يقلقها.
وفي يوم لن ينساه أبداً، دعته لرؤيتها في مكان عام. كانت تجلس بين صويحباتها، ورغم أنه لم يرها من قبل، إلا أنه عرفها من بين جميع النسوة.
سألها: هل أنت فلانة؟ وكيف عرفتني؟ أجابته وهي تعلن بذلك عن ظهورها الأول في حياته. لم يستطع أن يقول لها إن كل الجمال الذي كنتِ تكتبينه رأيته في عينيكِ ووجدته مرسوماً على ابتسامتك الودودة. لقد كان جمالها ورقتها وأناقتها فوق الوصف.
وكان أكثر ما يميزها، وقد عرف هذا بعد صداقة امتدت لسنوات، أنها ترسم حدودًا لكل شيء، مما اكسبها احترام الجميع. كان يومه يبدأ وينتهي بها، دون أن تغيب عنه خلال النهار، رغم انشغالاتها ومسؤولياتها الكثيرة. لقد كانا صديقين حقيقيين، وكثيرًا ما سأَلَ نفسه: هل يمكن للرجل أن يكون صديقًا للمرأة؟ كان عقله في كل مرة يجيبه بنعم، فيما كان قلبه يصمت ويمتنع عن الإجابة.
يذكر أنه أهداها في عيد ميلادها قنينة عطر، وكتب في إهدائه لها: ‘شكرًا لأنك جعلتيني أؤمن بأنه يمكن أن تكون هناك صداقة بين رجل وامرأة’. وما زالت تحتفظ بالقنينة الفارغة في مكان بعيد عن عيون المتطفلين، لأنها كانت أول هدية تُقدَّم لها في حياتها. وفي رسالة اخرى كتبها لها، (( هذه ليست هدية، وحتى وإن بدت في صورة قنينة عطر، فإن ما يخرج من دفء القلب هو مشاعر وأحاسيس ليس لها مقابل مادي، ولا يمكن للسان أن يترجمها إلى كلمات ومعاني. كوني بالقرب حتى تتعافين بي، وأسعد بك)) .
في مجتمع لا يرى المرأة إلا ان تكون من محارم الرجل أو زوجاته أو ما ملكت أيمانه، عدا ذلك فهي أجنبية عليه، ولا يجب أن تربطه بها أي علاقة.
في مثل هذا المجتمع، كانت مصادقة الرجل للمرأة محفوفة بالمخاطر، مثل السير في حقل ألغام. لم يكن يظهر إلى جوارها، وتعمد الجلوس بعيدًا عنها، مكتفيًا بمراقبتها من بعيد. كان هناك شعور ينمو بداخله، صادراً عن قلبه، بينما كان هناك موقف آخر مصدره عقله يراها صديقة. وبين هذين الموقفين، دامت صداقتهما في ظل هيمنة عقله، فيما بقي القلب محتفظًا بمشاعره دون البوح بها.
لم تكن العلاقة بينهما جيدة دائمًا، فكثيرًا ما وضعته في قائمة الحظر وقطعت أي تواصل معه، ليس لأنه أساء التعامل معها أو أساء الأدب، بل كان ذلك دائمًا نتيجة سوء فهم خلقته اللغة. فكثيرًا ما كانت تفهم ما يكتبه لها على عكس ما يقصد ، او لأن الردود على الرسائل تأتي متأخرة لرداءة خدمات النت . لم تكن القطيعة تدوم طويلًا، ولكنها كشفت له عن عمق مشاعره نحوها .
بات يراها أحيانًا في صورة السيدة المثقفة، وأحيانًا في صورة أنثى جميلة. تتداخل الصورتان لتتحدان أحيانًا وتنفصلان في أحيان أخرى، لكنه ظل وفيًا لمفهوم الصداقة بينهما.
أنت مثل أبي وأخي الأكبر، أنت ونس أهلي. هذا إحساسي نحوك. هكذا كانت تقول له دائمًا، ربما لرغبتها في تحديد معالم وحدود الصداقة بينهما، فيما كان يناديها باسمها أو بكنية تحبها دون أن يغفل عن لقب الأستاذة عندما يكون الحديث في حضور آخرين.
كانت تحب أصابع الشوكولاتة المحشوة بالبندق، وكثيرًا ما أحضرها معه لتدسّها في حقيبتها في غفلة من الجميع. لكنها، من فرط حبها لها، تقوم باستخراجها من الحقيبة وتتذوقها.
كان دائمًا أول تعليق لها على الشوكولاتة: ‘لذيذة!’، فرح طفولي يعكس براءة روحها.
في إهداء على غلاف رواية لديستويفسكي، كتبت له: ‘احتفاءك بي يطيل عمر الأكسجين في خلاياي.’ ومنذ ذلك الحين، كلما حاول أن يقرأ الرواية، يتوقف عند غلافها، ويطيل النظر فيما كتبته عليه حتى يأخذه النعاس.
لم تعد صديقة تملاء حياته بالفرح والسعادة بل و ملاكا بزوره في احلامه .