زكريا العنقودي
كان هو الرجل الاطول قامة بحيّهم المتواضع ، بل كان بطول مبالغ فيه ، ورغماً عن طوله ذاك كان قصير الجمل ، قليل الكلام .
كان يخشاه الجميع لفرط طوله ، و كان يعلم إنهم يسمونه خفية بـــ ( البالة .. انجانجو .. لونقوو ) الخ ..
لم يبال بذلك ، و كأن الامر لم يكن يعنيه ، فقد كان مزهواً بنفسه معتداً بها ، فهو رجل عامل بيديه وصاحب صنعة ، ولكونه بلا عائلة و قليل المصاريف ، ربما كان افضلهم حالاً ، ولطالما قصده الجميع ، ولم يخيب أي احد منهم ، حتى لو كان ممن يعيرونه خفية بطوله .
همّ وحيد كان يشغل باله ، وهو باب بيتهم العتيق ، فقد كان قصيرا جدا و يجبره على الانحناء .
( رجل طويل معتد بنفسه ولا يبال بالعالم و يذله باب قصير لبيت عتيق) !!.
كان يردد هذا بسره ، كلما عاد من عمله ، و همّ بالدخول لذلك البيت .

ذات يوم شاهده جيرانه ، وهو يعود باتجاه بيته ، ويحمل على كتفه فاس كبيرة ، راقبوه من بعيد حتى لحظة وصوله لذاك الباب ، مسك الفاس بكلتا يديه ، وبقوة ذراعيه هوى عليه و حطمه بالكامل ، رمى بالخشب بعيدا ، ثم اخذ يهوي على الحجارة اعلى الباب ، فزاد منسوب ارتفاعه حتى ناسب طول قامته ، بعد ان انهى عمله رمى بالفأس على كومة الخشب والحجارة ، اغمض عيناه واخذ نفسا عميقاً ، ودخل ولأول مرة لبيته براس مرفوع .
في ثورته تلك ، شاهد الجيران مشهد دخوله المهيب ذاك كاملا ، لكنهم ابداً لم يرونه ، وهو يرتمي على سريره ، يمد رجليه ، وقدماه خارج الغطاء كما تعود دائما ، فهو ومن زمن طويل لم ينم وقدماه بداخله .
اغمض عينيه وسرعان ما نام على جانبه الأيمن ، نوماً عميقاً ، لا هواجس لا كوابيس .
فقط راوده حلم بأنه ( العزير ) ، وبدون عنب و لاحمار ، و سينام مئة عام ، وحين يصحو سيجد كل جيرانه بالحي ، اطول منه قامة وكل بيوتهم عتيقة وبابها قصير .