أشعل إعلان المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة عن تشكيل “الهيئة العليا للرئاسات” حالة من التوتر السياسي في ليبيا، وسط تحذيرات من انعكاسات محتملة على وحدة الدولة ومسار الانتخابات، مع تنامي الحديث عن إمكانية المطالبة بـ”الحكم الذاتي” في شرق البلاد .
الإعلان والمواقف الرسمية
وأوضحت الرئاسات الثلاثة أن الهيئة تمثل إطارًا تنسيقيًا للسلطة السيادية العليا، يهدف إلى توحيد القرار الوطني في القضايا الاستراتيجية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، دون إنشاء كيان جديد أو أعباء هيكلية، عبر اجتماعات دورية وطارئة لتحديد المواقف المشتركة وتوحيد السياسات الرسمية للدولة، وفق بيان صادر عن المجلس الرئاسي.
في المقابل، اعتبر أسامة حمّاد، رئيس الحكومة الليبية، أن الهيئة “عديمة السند الدستوري ومنعدمة الأثر من لحظة الإعلان عنها”، مؤكدًا أن أي قرارات صادرة عنها “لا تكتسب أي قيمة أمام مؤسسات الدولة” وتشكل تهديدًا لوحدة الدولة.
ودعا حمّاد المجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بأي مخرجات أو ممثلين صادرة عن الهيئة، واحترام المرجعية الدستورية التي تنظم السلطة في ليبيا، وفق بيانه الرسمي.
كما شدد على أن استمرار تأجيل الانتخابات قد يزيد من الضغط على السلطات في الشرق، مع احتمال تصاعد المطالبة بـ”الحكم الذاتي”.
ردود الأفعال والتحليلات السياسية
وصف الصحفي إبراهيم المجبري الإعلان عن الهيئة بأنه أضاف “طبقة جديدة” للمشهد السياسي الليبي المعقد، معتبرًا أن الخطوة أقرب إلى “إعادة هندسة النفوذ السياسي” أكثر من كونها مشروعًا جامعًا يوحد المؤسسات ويعيد الثقة المفقودة.
وأوضح المجبري أن هذه الخطوة قد تشجع الأطراف المعارضة على تشكيل أجسام مقابلة، مما يعيد البلاد إلى واقع “أرخبيل من السلطات المتوازية والمتصارعة”.
بدوره، أشار محمد امطيريد، باحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية إلى أن الهيئة تمثل خطوة استباقية لـ”قطع الطريق أمام أي مسار قد يُفضي إلى تغيير حكومة الدبيبة”، مؤكدًا أن تهديد حكومة حمّاد باللجوء إلى مسار الحكم الذاتي لا يتجاوز كونه رسالة ضغط سياسية وليست محاولة انفصالية حقيقية.
وأكد المحلل السياسي محمد محفوظ أن الهيئة لن تمارس صلاحيات تنفيذية فعلية، وإنما ستنشط سياسيًا عبر ثلاثة محاور: التحكم في وتيرة الحوار السياسي، تقديم نفسها كجسم شرعي بديل ورفع كلفة أي تغيير خارجي، وتوحيد الرسائل السياسية بصوت واحد للسلطات الثلاثة في الغرب.
كما حدد محفوظ أولويات الهيئة في تثبيت حكومة الوحدة، ضبط أي مسار أممي، وتنظيم الأدوار داخل الشرق.
السيناريوهات المحتملة للمشهد الليبي
رأى المحللون أن الوضع قد يتطور ضمن ثلاثة سيناريوهات، وفق تحليلات المراقبين السياسيين: استمرار الوضع الحالي مع ظهور أجسام موازية كلما دعت الحاجة لتجنب أي تغيير قد يفرضه طرف آخر، رفع سقف الخطاب السياسي، حيث يستخدم الشرق التلويح بالحكم الذاتي، بينما يواصل الغرب مساعي البعثة الأممية ومحاولة تدوير الأزمة السياسية لصالحه، اللجوء إلى تسوية اضطرارية إذا وصلت المسارات كافة إلى انسداد كامل، بما قد يشمل التفاوض على توزيع السلطات أو تعديل الصلاحيات بين الأطراف.
السياق الإقليمي والدولي
وأشار محمد محفوظ إلى أن هذه التطورات تأتي في وقت تتسارع فيه التحركات الأممية لإطلاق حوار وطني شامل أواخر نوفمبر 2025، وسط محاولات بعض الأطراف المحلية والدولية لعرقلة العملية السياسية بما يتوافق مع مصالحها.
وأضاف أن الهيئة لن تحول سلطات طرابلس إلى كتلة سياسية موحدة، إذ أن المجلس الرئاسي، رغم ظهوره المتماسك أمام الرأي العام، يظل منقسمًا داخليًا، مما يزيد من عدم اليقين السياسي في البلاد.
تشير التحليلات إلى أن إعلان تأسيس هيئة الرئاسات الثلاثية في غرب ليبيا يمثل خطوة سياسية كبيرة لكنها مثيرة للجدل، إذ تعكس محاولات استباقية للسيطرة على المسار السياسي وتثبيت النفوذ في مواجهة ضغوط داخلية وخارجية.
ويظل السؤال الأهم: هل ستتمكن ليبيا من تحقيق توافق وطني شامل وإنقاذ العملية الانتخابية، أم أن البلاد ستستمر في مسار الانقسام السياسي المزمن؟