في لحظة تتصاعد فيها المخاوف من ضياع ما تبقى من فرص إنقاذ الوطن، تشهد ليبيا حراكاً شعبياً واسعاً يتجه بثبات نحو خيار الانتخابات الرئاسية المباشرة باعتبارها المخرج الأخير من دوامة الانقسام والجمود السياسي. فالشوارع باتت تنبض بمطلب واحد يتردد على ألسنة المواطنين، ضرورة الانتقال نحو حسم ديمقراطي يعيد القرار إلى الليبيين، ويفتح الطريق أمام قيادة قوية قادرة على إنهاء الفوضى واستعادة الدولة. ومع تنامي هذا الزخم الشعبي، يتبلور مشروع وطني يرى كثيرون أنه قد يشكل الفرصة التاريخية الأخيرة لإعادة ليبيا إلى مسارها الصحيح، خصوصاً مع تبنّي وحماية القيادة العامة لهذا الاتجاه وإصرارها على تحويله من حراك جماهيري إلى مسار سياسي واقعي يقود نحو صندوق الاقتراع.
ويرى مؤيدو هذا الاتجاه أن ليبيا وصلت إلى مرحلة لم تعد تحتمل مزيداً من التأجيل، وأن الدعوة التي أطلقها القائد العام للقوات المسلحة المشير حفتر جاءت لتكسر دائرة التعطيل التي مارستها مؤسسات سياسية فقدت شرعيتها الشعبية.
يؤكد رئيس مجموعة العمل الوطني خالد الترجمان، في هذا السياق، أن لقاء القائد العام للقوات المسلحة مع الإعلاميين والنشطاء والأكاديميين والقضاة جاء في توقيته المناسب بعد عدة لقاءات مع قبائل ليبيا من الغرب والجنوب والشرق، معتبراً أن المشير حفتر حرص من خلال هذا اللقاء على إشراك التيار المدني في المشهد الوطني. ويشير الترجمان إلى تأكيد القائد العام تأكيده على انتظار “موقف جوهري” من التيار المدني لدعم إقامة الدولة المدنية وإعادة كرامة المواطن، مذكّراً بالدور المبكر لمن التحقوا بعملية الكرامة منذ انطلاقتها الأولى.
وتعتبر الأوساط المؤيدة لهذا المسار أن الحراك الشعبي الذي يبرز اليوم في البلاد يشكل رسالة قوية بأن الوقت قد حان لإعادة القرار إلى الشعب الليبي، وأن القيادة العامة تمتلك القدرة على توجيه الأمور نحو عملية انتخابية جادة تضع حداً للفوضى والانقسام.
من جانبه يرى الكاتب السياسي حسين المسلاتي أن اللقاءات التي احتضنتها مدينة المشير العسكرية، وجمعت مشايخ وأعيان وحكماء المناطق الليبية كافة مع المشير حفتر، أعادت التأكيد على وحدة الصف وضرورة إيجاد حل جذري للأزمة الليبية.
ويضيف أن هذه التحركات أثارت خشية الأجسام السياسية المنتهية الولاية، التي تخشى بلورة خريطة طريق جديدة قائمة على التوافق الوطني بعيداً عن مسارات الابتزاز السياسي.
ويرى المسلاتي أن الانتخابات الرئاسية المباشرة هي المخرج الوحيد لإنتاج سلطة قوية وموحدة قادرة على فرض القانون وإنهاء حالة الانقسام، وأن أي حلول أخرى ثبت فشلها خلال السنوات الماضية.
في سياق متصل يؤكد الناشط السياسي عبدالله الغرياني أن الحراك الشعبي الذي ينتظم في مدن عدة هو نتيجة تراكم مطالبات مجتمعية مستمرة منذ عام 2011، وأن الليبيين يريدون استعادة الدولة وتحقيق الاستقرار بعد سنوات من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية.
ويرى الغرياني أن هناك عجزاً إقليمياً ودولياً واضحاً في دفع العملية السياسية، وأن المعرقل الأساسي اليوم يتمثل في السلطة التنفيذية الحالية “حكومة الدبيبة” التي انقلبت بحسب وصفه على الاتفاق السياسي واستمرت في السلطة رغم انتهاء ولايتها منذ سنوات.
ويشير إلى أن المجتمع الدولي لم يتحرك لإيقاف هذا الانحراف، وأن التظاهرات التي شهدتها طرابلس خلال الأشهر الماضية كانت دليلاً على تآكل شرعية هذه الحكومة بعد فشلها الأمني والإداري.
وعلى الرغم من التحفظات الدولية التقليدية حول ضرورة التوافق، يرى مقربون من هذا التوجه أن المجتمع الدولي نفسه بدأ يضيق ذرعاً بحالة الشلل التي يعيشها الملف الليبي، وأن وجود إرادة شعبية واضحة قد يشكل عاملاً مساعداً وليس معرقلاً، خصوصاً إذا ما أثبتت القيادة العامة التزامها بإجراء انتخابات شفافة وتأمين بيئة آمنة للتصويت.
وتُعد التحركات الشعبية الحالية عاملاً ضاغطاً إيجابياً على الأطراف المترددة لدفعها نحو خيار الاحتكام للصندوق بدلاً من البقاء في مربّع المساومات السياسية التي لم تقدّم أي حلول.
وتشير التحركات على الأرض إلى أن الحراك الشعبي يجري ضمن إطار سلمي ومنظم، وأن هدفه ليس المواجهة بل فرض أجندة وطنية عنوانها “الحسم عبر صندوق الانتخابات”. ويعتقد مؤيدو هذا الاتجاه أن هذا الحراك قد يكون بداية مرحلة جديدة تتقدم فيها مبادرة انتخابية واضحة تستند إلى إرادة المواطنين لا إلى تفاهمات ضيقة أو ترتيبات مرحلية أثبتت عجزها.
ومع استمرار الزخم الشعبي وتوسع الحاضنة الاجتماعية والسياسية الداعمة للدعوة التي أطلقها المشير حفتر، تتزايد المؤشرات على أن الضغط الشعبي قد ينجح في دفع البلاد نحو انتخابات رئاسية مباشرة طال انتظارها، وأن المشروع الذي يقوده المشير قد يكون الأقرب لتحقيق هذا الهدف إذا استمرت الجهود الشعبية والتنظيمية في هذا المسار.
وبهذا الحراك المتواصل، يعود الأمل لدى شريحة واسعة من الليبيين بأن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع هو المخرج الوحيد القادر على إنهاء حالة الانقسام، وأن تبنّي القيادة العامة لهذا الخيار قد يشكل نقطة التحول الكبرى التي طال انتظارها في المشهد السياسي الليبي.