يتصاعد القلق في ليبيا من موجة غير مسبوقة من العنف ضد النساء، وسط تحذيرات محلية ودولية من خطورة الأوضاع وتزايد الانتهاكات في ظل الانقسام السياسي وانتشار السلاح وضعف المؤسسات، الأمر الذي دفع منظمات دولية ومسؤولين محليين إلى المطالبة بإصلاح تشريعي واسع وتفعيل منظومة حماية شاملة توقف دوامة الاعتداءات التي طالت نساءً وفتيات في مختلف المدن.
وتتزامن هذه التحذيرات مع وقوع حوادث عنف دامية هزت الشارع الليبي، أبرزها قتل المدونة خنساء المجاهد في طرابلس، ومقتل سيدة في مصراتة على يد شقيقها، إضافة إلى العثور على فتاة من أجدابيا محتجزة في “زريبة” في ظروف مزرية، وقد أثارت هذه الجرائم موجة غضب شعبية دفعت البعثة الأممية إلى التحرك مجددًا.
من جانبها دعت هيومن رايتس ووتش واضعي الدستور الليبي إلى تضمين حماية المرأة في الدستور وإلغاء التشريعات التي تميّز ضدها، مؤكدة أن مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي يجب أن تكون جزءًا من المواجهة الشاملة للتمييز، وأن المواثيق الدولية وبروتوكول مابوتو تُلزم ليبيا باتخاذ تدابير فعّالة للمنع والمحاسبة.
وأشارت المنظمة إلى أن قانون العقوبات الليبي ما يزال يتضمن مواد تتيح تخفيف العقوبات في جرائم الشرف، كما يخلط قانون الزنا بين الاغتصاب والعلاقة بالتراضي، ما يؤدي عمليًا إلى تحويل الضحايا إلى متهمات، ويفتح الباب أمام تسويات أسرية تفضي أحيانًا إلى تزويج الضحية من الجاني.
وحذرت المنظمة أيضًا من استمرار احتجاز نساء وفتيات في مراكز “التأهيل الاجتماعي” دون إرادتهن، بما يشبه الاحتجاز القسري، مؤكدة أن إصلاح القوانين وتوفير حماية حقيقية يتطلبان إجراءات وقائية وملاجئ ودعمًا نفسيًا واجتماعيًا، مع مراعاة الفئات الأكثر هشاشة كالنساء ذوات الإعاقة.
وأكد خبراء اجتماعيون أن العنف لا يبدأ بالفعل الجسدي فقط، بل يتجذر في منظومة اجتماعية تعيد إنتاج الهيمنة الذكورية وتكرس ثقافة التطبيع مع العنف، ما يجعل إصلاح القوانين ضرورة ملحّة إلى جانب حملات التوعية وتعزيز الدعم النفسي وتمكين المؤسسات المختصة.
وفي السياق الدولي، شددت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، على ضرورة اعتماد مشروع القانون المتعلق بحماية النساء من العنف الذي أعده خبراء ليبيون، مؤكدة أنه لا بد من سد الثغرات القانونية لمواءمته مع المعايير الدولية، محذرة من تزايد الإساءة للنساء عبر الإنترنت.
في المقابل عقد مجلس النواب اجتماعًا موسعًا لبحث الاستراتيجية العربية للحماية من العنف الأسري، تمهيدًا لإعداد قانون وطني لمكافحة العنف ضد الأسرة بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية.
وشدد المجتمعون على ضرورة إنشاء محكمة خاصة بالأسرة وتعديل قوانين الأحوال الشخصية وتوحيد الجهود بين وزارات الأوقاف والعدل والتعليم والإعلام والداخلية لمعالجة الظاهرة ومواجهة آثار وسائل التواصل الاجتماعي.
من جهة أخرى تتلقى وزارة الدولة لشؤون المرأة شكاوى يومية من نساء تعرضن للعنف أو التهديد أو الاستغلال، لكن الوزيرة بالحكومة الليبية انتصار عبود تؤكد أن غياب الحقيبة الوزارية والموارد المالية يعيق قدرة الوزارة على التدخل السريع، مطالبةً بدعم مؤسسي حقيقي يمكنها من تقديم الحماية الفعلية للنساء والأطفال.
وأوضحت أن الوزارة تعمل رغم ضعف الإمكانيات على دعم المشاريع الصغيرة للنساء وتوفير خدمات ميدانية عبر مكاتبها، لكنها تحتاج إلى ميزانية وصلاحيات أوسع.
وفي مواجهة هذا الواقع، أصدرت وزيرة الدولة لشؤون المرأة بحكومة الوحدة الوطنية، حورية الطرمال، تعليمات برفع الجاهزية في مراكز حماية المرأة والطفل، داعية إلى الاستجابة السريعة لكل بلاغ وحماية النسيج الأسري عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تمنع تفاقم النزاعات وتقلل المخاطر.
من جانبها قالت رئيسة المنظمة الليبية لحقوق الإنسان حنان الشريف، إن العنف ضد النساء لم يعد مجرد حوادث منفصلة، بل تحول إلى ظاهرة متكررة تمتد من العنف الأسري إلى الابتزاز والتهديد ثم القتل، مؤكدة أن ضعف الأمن وانتشار السلاح وتراجع المنظومة الأخلاقية وغياب الردع، عوامل غذّت هذا التدهور.
وأشارت الشريف إلى أن الإفلات من العقاب بات واقعًا يحفز الجناة، وأن المعالجة يجب أن تكون شاملة تشمل إصلاحًا قانونيًا وأمنيًا وتغييرًا ثقافيًا، لا الاكتفاء بردود فعل وقتية.
وأكدت الشريف أن المرأة الليبية تعيش ضغطًا اقتصاديًا واجتماعيًا مضاعفًا يجعلها أكثر عرضة للاستغلال، مشيرة إلى أن الكثيرات يعملن لساعات طويلة بسبب الظروف الاقتصادية القاسية ما يجعلهن هدفًا للابتزاز والتهديد.
ويتفق خبراء ومسؤولون محليون ودوليون على أن ليبيا تقف اليوم أمام مفترق طرق، وأن استمرار غياب الإصلاح القانوني والأمني سيؤدي إلى اتساع دائرة العنف وتهديد السلم الاجتماعي. وتبقى حماية المرأة، وفق هذه الرؤى، واجبًا وطنيًا وإنسانيًا ودينيًا لا يحتمل التأجيل، ولا يمكن تحقيقه إلا عبر تشريعات واضحة، وأجهزة قوية، ومجتمع يرفض الصمت أمام الجرائم التي تستهدف نصفه.