محمود امجبر
أخذتني الذكريات لأقف عند مباهج الواقع اليوم .. فحين كان الظلام سيد الموقف في مثل هذه الأيام من شهر ديسمبر، ما بين الأعوام من 2014 إلى 2019، كانت سبها مدينةً لا تشبه نفسها . كانت تغرق في ظلامٍ كثيف، لا بسبب انقطاع الكهرباء فحسب، بل لأن الخوف كان قد غطّى سماءها، وتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية فيها. كانت المدينة تعيش على وقع الصمت، صمتٌ يسبق صلاة المغرب، لكنه لا يشبه السكينة، بل يشبه الترقب المرعب. كل شيء يتوقف، حتى الأسماء تُخفى، والرتب تُمحى، والهوية تُوارى خلف جدران الحذر.
كانت تلك السنوات كابوسًا ممتدًا، ليالٍ حالكة لا يُرى فيها سوى ظلال الخوف، وأصوات الرصاص، وهمسات المؤامرات التي تتخفى خلف شعارات القبيلة تارة، وتحت عباءة الإخوان تارة أخرى، أو باسم الثورة ، أو الشرعية ، أو حتى التقسيم أسماء كثيرة ، لكن الهدف واحد : إسقاط المدينة ، بل تركيعها.
لكن سبها لم تكن وحدها .. كان لها رجال ، لا يعرفون التراجع ، ولا يهابون الموت .. رجالٌ خرجوا من بين الأزقة ، من البيوت البسيطة ، من المعسكرات المهجورة ، ومن ذاكرة التاريخ … حملوا السلاح لا طمعًا في سلطة ، بل دفاعًا عن الأرض والعِرض ، عن الجيران ، عن الأطفال الذين يرتجفون في الظلام ، وعن الأمهات اللواتي كنّ يتهجدن بالدعاء كل مساء .
هؤلاء الرجال ، نعرفهم .. نعم نعرف وجوههم ، نعرف أسماءهم ، نعرف مواقفهم . بعضهم رحل إلى جوار ربه ، تاركًا خلفه سيرةً لا تُنسى ، وبعضهم لا يزال بيننا، يمشي في الطرقات دون أن يطلب شكرًا أو تصفيقًا . لأنهم ببساطة ، قاتلوا من أجل المبدأ ، لا من أجل كرسي .
وبعد أن انقشع الظلام ، وعادت الحياة إلى المدينة ، لم يتسابقوا على المناصب فهم يقدرون قيمة الميادين حين يجابه الحق ظلام الباطل ، بل تنحّوا جانبًا ، وتركوا المجال لغيرهم ، لأنهم كانوا يعلمون أن النصر الحقيقي ليس في السلطة ، بل في أن تبقى سبها واقفة ، شامخة ، آمنة.
اليوم ، حين نرى الأطفال يذهبون إلى مدارسهم ، والناس يتجولون في الأسواق ، والمشاريع تُبنى، والطرقات تُعبّد، يجب أن نتذكر أن هذا لم يكن صدفة .. بل هو ثمرة سنوات من التضحيات ، من الدماء التي رُويت بها أرض سبها ، من العرق الذي سال في خنادق القتال ، ومن الصبر الذي تحمّله أهلها .
إن شجرة الأمان التي نستظل بها اليوم ورجال استكملوا المسير نحو العمار ، زرعها أولئك وإن كنا لا نذكرهم جميعًا بالاسم الآن ، فسيأتي يوم نكتب فيه أسماءهم بحروف من نور، ونروي قصصهم للأجيال ، ليعلموا أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع .