الأخبار الشاملة والحقيقة الكاملة​

2026-02-18

4:37 مساءً

أهم اللأخبار

2026-02-18 4:37 مساءً

القاص خليفة الفاخري…والكتابة التي لا تخون الروح

انتصار بوراوي

انتصار بوراوي

للقاص خليفة الفاخري بصمة مضيئة في تاريخ الكتابة القصصية في ليبيا  فلقد قفزت ‏القصة ‏القصيرة مع كتاباته القصصية قفزة نوعية حين  قامت على التكثيف ‏والاختزال وروح السخرية .‏

كان القاص خليفة الفاخري كبيرًا بأحلامه الشاسعة عن العدالة والحق والخير، ثائرًا ‏‏يستكشف الواقع من حوله ويكتب عنه قصصه الهادئة الأقرب إلى الومضات البارقة. ‏وبلغة مقتصدة ‏ومكثفة، يشحن قصصه القصيرة برؤيته الفكرية للحياة والناس.فجودة ‏كتابته تكمن في أسلوب ‏رؤيته للموروث الذي يعتمل بداخل ناس مجتمعه، والذي يقرأه ‏بعمق ثم يعيد صياغته برؤية نقدية ‏قصصية.‏

بنغازي في قصص الفاخري

في القصص التي كتبها القاص خليفة الفاخري في ستينيات القرن العشرين نتشمم عطر ‏الماضي ‏لمدينة بنغازي، حيث شوارع المدينة القديمة، ونسائم الصيف بالبيوت التي ‏بنيت خلال العهدين ‏العثماني والإيطالي، وروائح حكايات ناسها البسطاء “سي عمر” ‏و”السائق خالد” والحارس الليلي ‏والسكير ووجوه أهلها البسطاء العاديين الذين يبحثون ‏عن نقطة ضوء في أرضهم.‏

ثمة رومانسية وغنائية في قصص الفاخري، فالراوي في جميع القصص هو نفس ‏الشخصية ‏المتمردة على مجتمعها، ولكنه تمرده ليس مبنيًا على الرفض المطلق للإرث ‏الفكري والحضاري، ‏وإنما الرفض والتمرد على القيم المتخلفة من أجل التغيير المبني ‏على العلم والعقل والتنوير ‏الفكري.‏

المرأة في عوالم الفاخري

في قصته “الوجه الآخر للقمر”، يتحدث الراوي عن الفتاة التي أحبها في رسالة طويلة ‏يصفها ‏بالجمال والدفء، ولكن لا وجود لامرأة حقيقية في هذه القصة أو غيرها من ‏قصص خليفة ‏الفاخري.،فالمرأة موجودة فقط في أحلامه وأفكاره، أو في وجه فتاة مارة ‏بالشارع. لكل ذلك، تخلو ‏قصص خليفة الفاخري من ملامسة عالم المرأة، لطبيعة المناخ ‏الاجتماعي والديني والفكري الذي ‏كان منغلقًا نوعًا ما.‏

extra Recovered

في قصته “فتاة جميلة”، يتخلى القاص عن صوت الراوي الرجولي ليكتب قصة بصوت ‏فتاة من ‏بنغازي تتحدث فيها عن مدينتها وعن نفسها بصورة نرجسية فائقة وبأسلوب ‏تقريري يُظهر عدم ‏اهتمام الكاتب بالمرأة الليبية في ذلك الوقت. لذلك، يتجه بطل ‏قصص خليفة الفاخري بفكره وذهنه ‏إلى وجوه النساء الأوروبيات، بجمالهن وحريتهن، ‏وإلى مدن الغرب الأوروبية بجمالها وحيويتها، ‏إلا أن هناك دائمًا شيء في داخله يشتاق ‏للوطن بشوارعه المهترئة وحكايا البشر البسطاء الذين ‏يبدون كأبطال الملاحم الإغريقية ‏ببؤسهم وعراكهم الدائم مع أقدارهم.‏

صوت المهمشين وصدق الكلمة

الفاخري في قصصه كان مهمومًا بهاجس المنبوذين والمهمشين، فيرسمهم في قصصه ‏القصيرة جدًا ‏في مجموعته القصصية “موسم الحكايات” بطريقة مكثفة ومختزلة وبروح ‏شعرية هائلة،وفي ‏قصته “العذاب” يمزج الحقيقة بالخيال في رؤية فانتازية ليعبر من ‏خلالها عن حالة الانسحاق التي ‏غاص فيها “سي عمر” عند رؤيته لمتناقضات الموروث ‏الاجتماعي المنافق.‏

قصص الفاخري في مجموعاته القصصية تلامس الوجع وتكتبه بقلم رؤيوي سابق لعصره ‏وبصدق ‏جميل.وكما يقول إدوارد غاليانو: “في لغة الهنود الحمر الكلمة تعني الروح وكل من ‏يكذب أو يبدد ‏الكلمات يخون الروح”، والفاخري كان صادقًا حتى منابت العظم، كما عرفنا ‏من خلال قراءة سيرة ‏حياته ومن مجموعاته القصصية ومقالاته، فقد كان متطابقًا في ‏كتابته مع حياته في صدق نادر، ‏وعاش مبتعدًا ومنعزلًا عن ضجيج وتزلف الوسط الثقافي ‏طيلة عقود حكم القذافي، مشتغلًا في ‏محرابه بالكتابة والإبداع القصصي. وترك خلفه ‏نتاجًا قصصيًا معبرًا عن مجتمعه ومشكلاته ‏وقضاياه وبيئته إلى أن توفاه الله في 6 يونيو ‏‏2001.

 القاص خليفة الفاخري لم يمت، وإنما ‏نام هادئًا تحت تربة مدينته التي ‏أحبها وسقاها من روحه وفكره إلى آخر يوم في عمره.‏

شارك المقالات:

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حاسبة العملة