فاطمة الحاجي
أمام مجمع الفتح “القبة الفلكية” إذ يتألق في بهائه ضاربا في عنان السماء ، مُشرِعاً بابه نحو بحرنا الهاديء هذا المساء ، وقفت حيث أنا ضاربا نظري في ذؤابات الأفق، ثم رحتُ :
* أتجول في البهو الجميل، وكالعادة كنت وحدي أُتمتم في جزر السؤال :
* ما أثر الواقع الليبي في الزمن الروائي ؟،
* وما أثر الزمن الروائي في الواقع الليبي؟
* وفي الممكن ، وفي الممكن المجهول ،
* وفي المستحيل ؟
* فللواقع بُنية ، وللممكن ممارستة ،وهل يا ترى للمستحيل فسيلة ،نقوم فنزرعها في طهر التراب …؟
* ثم كررتُ السؤال الذي قيل مذ زمن :هل نحن خارج دائرة السؤال الثقافي؟ فرأيت أن جهاد الرعيل الأول من الأدباء والمفكرين ،قد وضعنا في قلب الدائرة “إمرأة من ضوء” وقلت في نفسي حقا أن الزمن الثقافي لا يخرج عن دائرة السؤال:
* من الطلوعِ الى ..الرجوعِ تمرُّ على جسر السؤال مواكب الخيول.، وحين دخلت قاعة المحاضرات، كان فرسان القصة ، والرواية ،والشعر ،والنثر، والمقالة ،والنقد ،يملؤون القاعة ، ويستمعون الى محاضرة
(الزمن في الرواية الليبية) وخُيَّل إليَّ أنهم يردِّدون في الوقت نفسه قول الشاعر القديم (تمشي…تجرُّ.. وراءنا .على أثرينا ذيل “مَرْطٍ مُرحَّلِ” .).
* فالروائي “احمد ابراهيم الفقيه كان هناك، وقبله دخل المحامي والأديب ” كامل المقهور”، والمؤرخ والأديب “المعروف “علي مصطفي خشيم “و المؤرخ والأديب ورفيق السعداوي علي مصطفى المصراتي، كما لمحتُ خلفهم الناقد الأستاذ “أحمد الفيتوري ” ولمحت أيضا الكثير من رموز نوافذنا المطلة على البحر تُجسِّد الفكرة من مشهد الحركة للأجيال القادمة ،فجلستُ لأستمع ،ولا علاقة لي بالقصة، والرواية؛ والنقد في مجال الأدب ، إلا علاقة الإنسان المتلقي العادي، غير أن فضولي دفعني لأسجل انطباعاتي على هذا النحو ،ولذا أعتذر مسبقاً لأهل الإختصاص في هذا المجال إذا ما رأوا في هذه الإنطباعات خروجا عن الموضوع الذي تناولته المحاضرة.،هذا وقد تبين لي أن الموضوع بحث في تقنيات الزمن في الرواية ، وقد كنت أظن حين قرأت العنوان ، أنها تبحث” في الوجدان الجمعي من خلال الزمن في الرواية” لكنها في البدء تطرقت الى مفهوم الزمن الفلسفي ، في العلاقة بين النور والظلام، ين الوجود والعدم ، بين الفكر والواقع ، بين الجوهر والصيرورة ،بين الفكر كبُنية للزمن،، والواقع كمعطى للتغيير ،وهنا وجدت نفسي محاصرا بالأسئلة ، ما هو الزمن في رواية الكاتب ؟وجاءني الجواب لأسمع قولها (إن الاسترجاع هو الهيمنة الطاغية في روايات احمد ابراهيم الفقيه) فشعرت وكأنه كما قال نفسه (العودة الى نقطة. الصفر)
ما هو الزمن في رواية الكاتب ؟
هذا هو السؤال الرئيسي الذي قالت به الدكتورة فاطمة الحاجي…
فهل الزمن في روايات أحمد الفقيه يتمحور حول( الاسترجاع) أساساً.
هل الاسترجاع هو لحظة (العودة التلقائية) التي تفاجيء الراوي تلقائيا من خلال توافقات احداث ما.أم أن مفهوم الاسترجاع يمكن أن يكون لعبة في يد الكاتب يتخيلها كما شاء .. ومتى لا يعنينا أمرها ؟؟ . هل نستحضرها لتكون بيننا أم نذهب اليها في كل عودة تلقائية…وحين نرجع نهدم أساسها في التحليل الاجتماعي.. ؟
وهل الاسترجاع حالة قلقة على مصير الهُوية ؛ خاصة وإن كانت هذه الأخيرة مفصولة عن السيرورة…أو قل عن مسار الأمة؟
وهل الاسترجاع خطاب تبريري لعجز الواقع عن إحياء الزمن ؟
وهل الاسترجاع من طبيعة البشر الكامنة في النفس، كلما تلاقت امامه الحوادث تبرز له الصور المتعددة…، وليس في إمكان أياَ كان التخلي عن الاسترجاع، إنما العبرة بالقدرة على توظيفه، داخل النص بمثل القدرة الفنية التي ابدع فيها الروائي احمد الفقيه في قصته القصيرة (امرأة من ضوء).
وهل الاسترجاع سواء أكان حالة تلقائية أم تفكير عقلي يهمّ “الناقد للنص” لمعرفة المحطات الاسترجاعية التي وقف عندها الكاتب.. حتى يتبين للناقد ان العمل الروائي تاريخي، ام غير ذلك، وهل هو مزوِّدٌ للقيم ام عبثي لمحو الذاكرة.. !! وهل يتمحور الزمن عند الكاتب حول الاستباق نحو كشف الممكن المجهول فيولي للفعل والممارسة الأهمية القصوى .. ولا يُعر اهتماماً للمعايير القيمية لأن الهدف هو تفكيك المادة أي (خلخلة الرواية) وأن نتيجة التفكيك لم تتجسد بعد كنموذج فهي ما زالت في نطاق التجربة.
وما هو زمن الخطاب عند الكاتب ؟! هل هو مسار عقلي يحاور واقعا.. وإن كان كذلك فهل صاغ العقل الجمعي بين ابطال الرواية.. ليكشف جوهر العلاقات ، واطياف الفردي ، من حيث الإيجاب أو السلب في الهوية… ومن الجدير بالملاحظة فإنه وفي أي مسار يكون زمن الخطاب قد تواجهه مسارات الخوف، والزمن المسكوت عنه، والزمن المحذوف كما حُذفت دول عربية زمن الاناشيد المدرسية ذات الانتماء لمواقعها، وقد تواجهه مسارات الزمن الّا أدري وهل هذا ألاّ ادري زمن ميت أم انه زمن عابث، وكيف لا يكون موضوعا للمعرفة في الواقع.. أم أن ألَّا أدري هو حالة السؤال في الواقع الذي هو خارج زمن الأسئلة.
إن الاسترجاع(هو الهيمنة الطاغية في روايات احمد إبراهيم الفقيه) هكذا وبكل قوة اعلنت الأستاذة المحاضرة. وللتأكيد على ذلك أنظر قصته ” امرأة من ضوء” وتمعن في صور الاسترجاع المتعددة فيها…
وحسب انطباعاتي من خلال سردها رأيت أنها قد أولتْ الاهتمام بالتقنية على حساب النص ذاته، وعلى مدخلاته ومخرجاته إن صح هذا التعبير في المجال الأدبي.
والروائي “احمد ابراهيم الفقيه” إذ قام أثناء فتح الحوار يُعلِّقُ على المحاضرة قائلا:
إنه حين يقوم للكتابة يتوحد مع اللحظة المُهيِّئة، ولا يدور بخاطره ما اشارت اليه “الأستاذة فاطمة” ، من تفاصيل دقيقة:
كزمن القصة/ وزمن الخطاب/ والاسترجاع/ والاستباق/والزمن النفسي/والزمن الموضوعي /وتكوين المشهد/ والصورة الناجمة عن المشهد/ والوصف الحقيقي / والوصف الوهمي/ وتداخل السرد مع المنولوج/وتوقف الزمن في المنولوج/ واتساع الزمن في الخطاب/ وقلق العقل على اكتشاف العالم الداخلي/ ولحظة انهيار البطل/وصيغة السؤال عن الانهيار /كيف إنهار البطل/ ولماذا إنهار البطل/ لمعرفة العلاقة بين الواقع وغاياته.
والكاتب نفسه إذ يصرح بذلك كله علناً، فعلينا والحالة هذه ان ندرس النص الإنساني مفصولا عن كاتبه، أو قل إن شئت مستقلاً عن كاتبه، فدراسة النص هنا تبدأ من حيث أنه بُنيةٌ مستقلة، له إشكاليته الخاصة به، وله رؤيته الخاصة به، وأن هذه الرؤية تشعر أو لا تشعر وضعت لها مجموعة من الفروض لحل الإشكال ولتفكيك الواقع وإعادة تركيبه، والأصح يمكن القول بأنها نقلت “الومضة” التي عكسها الواقع على الإدراك لتُصِغها الكتابة.
والسؤال الذي يبرز هنا هو :هل الفروض الموضوعة شملها واحتواها فرض عام التأمت حوله بقية الفروض،؟ أم انها مجموعة من الفروض المتساوية، والفروض المتناقضة، كفرض “عقدة الرواية” التي تعد العصب الأول فيها والذي يترتب عليه هيكلها في جميع الأزمنة بما فيها الازمنة المتداخلة في المنولوج، والزمن المحذوف، وايضاً المسكوت عنه، فعقدة الرواية تعد من “الوقائع” وهي المادة الخام في يد الروائي لكن اثناء السرد تشترط الفروض لاستكمالها.
وعلَّ السؤال الأهم من كل ذلك هل الفروض المختارة صيغت من داخل حقل الإشكالية ذاتها للرواية اي من الموضوع الواقعي المرسل أم من خارجها….
فإن كانت الفروض قد صيغت من خارج حقل الإشكالية فان ذلك يعني تطبيقا لقواعد منطقية صالحة لأن تطبق على أي حقل معرفي في نطاق الأدب إن لم يكن النقل مسيئا للمناخ العام للثقافة المتداولة في الداخل المنطلق منها الإبداع والتجديد، فالأدب ليس قضية علمية يعتمد على الفروض المجردة فحسب، بل لأن مكونات الرواية نسيج متشابك من :
الشعور واللَّاشعور/ من الوعي والَّلاوعي/من الحركة والجمود/من التلقي والانعكاس/ من الحلم واليأس/من الحياة والموت …..
فان حقل المعرفة في هذا المجال لا يخرج عن الفروض التي تضعها الأسئلة الاستفهامية في العلاقة بين الفكر والطبيعة، بين المعنى والمادة، وهنا يتضح الفرق بين السؤال بكيف كتعبير عن الحال في البحث عن الوسيلة للتغيير والتركيب، وبين السؤال بلماذا كتعبير عن المآل حيث التعلق بالغاية والمثال. وعلى الناقد هنا أن يستخدم منهج “الإستقراء” لمعرفة الفروض الموضوعية لخلخلة الرواية، وهل هي من داخل الواقع الموضوعي، أم هي فروض منطقية عامة، يمكن تطبيقها علي اي حقل روائي كان…..ومن خلال استقراء الفروض التي قامت عليها الرواية او من خلال. عقدة الرواية.. او سردها المتسلسل. نقف على “خصوصية الرواية” كالخصوصية في رواية يوميات الحشر لصالح السنوسي على سبيل المثال، وسيرة الفيض العبثية ذات التكوين المثيولوجي والسوسيولوجي في وقائع حي الفيض العبثية للكاتب نفسه.
هذا ومن الملاحظ ايضا يجب معرفة الخطاب كعقل اثناء فعاليته التلقائية أي لحظة الكتابة بالنسبة للروائي ، فعادة ما
تكون عفويته التلقائية عقلية صرفة، وبذلك يمكن التنبه الى السرد الوجداني، الذي يحمل المعنيين عقل وروح لكن الكاتب اثناء السرد غير واردة عنده هذا الفروق فهو في عالم الغياب الصحو مغمور بكتابته..
ومن هنا ايضا من لحظة الغياب الصحو والانغماس في الكتابة تبرز لنا معرفة علاقة “الهوية” بالصيرورة، ومعرفة الظاهرة بوصفها ” كتلة متراكمة من الأفعال والأشياء “؛ في حقبة تاريخية ما، ولكي يكون الناقد حياديا عليه ان ينظر إلى الظاهرة كشيء مادى/موضوعي، حتى يقف علي اسباب سكونها، وتوقفها، وإنقاطعها أو استمرارها،ذلك لأن الزمن في الرواية يحدد (طبيعتها و تشكيلها، جمودها وحركتها) ، فما هي طبيعة الرواية الليبية ما جوهرها، بالنظر الى ميزان ياقوتها المختلفة الوانه… :
/فهل الرواية الليبية برزت تلقائيا من واقع تاريخي موضوعي؟
/ هل هي إنتقائية من مسارات فنية عالمية.
/هل هي تراثية أسلوبا ، وفلسفية وجودية عقلاً، كرواية محمود المسعدي ” حدّث أبو هريرة قال”. فالزمن اذاً يحدد الطبيعة والشكل في الرواية. يعني ذلك انه يحدد الجوهر والمسار، كما تحدّد اللوحة التشكيلية بُنيتها من حيث :
الكتلة/ الحيّز/اللون /الرمز / الفضاءات/ فحقاً إن الرواية هي فن تشكيل الزمن حيث تتداخل التشكيلات بواسطة :
/الخيال /الاسترجاع /الاستباق/ الحدث/ الحذف /الحوار الداخلي/ الحوار المباشر، مع ملاحظة أنه في اللوحة الفنية كهذه بمختلف الوانها اللغوية فيها مطلقة تعبر عن ذاتها بحرية لا تقيدها غير التجربة، لأن التجربة هنا هي تراكمات ديموقراطية الفنون المتواترة. وإذا سألت صاحب اللوحة ماذا تعني بها فقد لا يجيبك ومعه الحق..، لأن اللوحة مكتملة وهي تدير معك الحوار بنفسها فما الداعي لتسألني…؟ فاللوحة تتشكل فيها مقوماتها؛ وعناصرها، بمجرد أن يتم عرضها في معرض الفنون…
ولكل عنصر من هذه العناصر السالفة الذكر هدف تقني، وهدف ادبي، وقد يعمل الكاتب على الإلتفاف والسكوت حول عنصر من تلك العناصر في التكوين، قصد الهروب من واقعة ما، أو بقصد الضرورة التقنية، أو نتيجةً لضغط مؤثرات الزمن الخارجي لما قبل الرواية.
والزمن الروائي هو (زمن تخييلي مقابل الزمن الواقعي) ذلك لأن الأديب ليس مهمته أن يصيغ الواقع مثلما هو عليه .. فذلك من مهمة الصُحفي المحترف ، أمّا الأديب لا ينسخ الواقع، بل يقوم بتقليبه .. إنه مادة لصيقة بين يديه، وعليه يقع عبء تحويلها وإعادة صياغتها رافعا إيّاها بالممارسة الى الممكن المنجز، والى الممكن المجهول، باحثا عن حياة جديدة .. لأنه يشعر بالموت حين يتوقف عن الكتابة، وهنا بالذات يظهر زمن الخطاب زمنا طوليا عقلانياً ، مع اتجاه الحركة، والروائي في هذه الحالة لا يعي ذلك، إنما الناقد لابد أن ينفذ اليه ، بحكم أدواته التي يملكها.
إن الزمن في الرواية أو حتى القصة، زمن متغير، إنه زمن تأسيس الفعل السلبي/. أو الإيجابي/، الواعي /او المغترب/
هو زمن القضية، ونقيضها، والقضية هنا هي مادة الرواية، اي موضوع اشكاليتها / ونقيضها هو العالم المتخيل، ويتم كل ذلك في سلسلة من التركيبات تفرضها تقنية الرواية .. كما أن الرواية ليست تقنية هندسية فحسب، بل هي سلطة عليا، وسلطتها ليست كغيرها من السلطات . إنها سلطة تغطس في عمق الوجدان ، وتغور في
أبعاد غاباته، لتلمس موضوعها بشفافية، على جميع المستويات، إنها سلطة المعرفة، واللغة وسيلتها في التعبير، واللغة من شأنها ومن طبيعتها ترفض القيود ، وتعمل على فتح الكلام .. فالكلام كما يقال يفتح بعضه بعضا، وإن حاصرها الواقع الموضوعي تجتازه بالتمتمات ، بالحوار الداخلي مع الذات بالصمت المتجمجم، ومن مهمة الناقد أن يسبر أبعاد الحدود. ليضع حدود الرؤية لمرحلة زمن الرواية، وبهذا بمكن ان يؤسس للمناخات الثقافية قواعدها العلمية ويقرب العلاقة. فيما بين العلم والوجدان والخيال في الرواية.
___________________**
المركز الثقافي القبة الفكية ((7 يوليو 1996م ))
الأستاذة “فاطمة الحاجي”
