مجد العماري
المرايا المتكسرة
في غرفة الأورام، حيث تتشابك أنفاسنا مع أصوات الآلات، كنا اثنين: أنا وبروفيسور عجوز كان يُعلِّمني اليونانية في زمنٍ غابر. الآن، نحن نَشْترك في السرير ذاته للموت؛ هو بسرطانٍ مُنتشر، وأنا بآخرَ يلتهم جسدي كَنَملةٍ جائعة.
قال مُبتسماً، وكأنه يقرأ قصيدة من “الأوديسة”:
“حلمت الليلة ببلشونين! يحلقان فوق مستنقعٍ تُزيّنه دمعة وحل.”
أومئتُ، بينما تلمع إبرة المورفين في يدي اليمنى. لم أسأله عن المعنى؛ ففي هذا القسم، الأحلامُ هي العملة الوحيدة التي لا يُكذِّبها أحد.
هندسة الأحلام
(هنا، الزمن ينثني كالورقة التي تُعيدها الريح إلى نقطة البداية.)
في حلم البروفيسور، كانت البلشونات تحلق مُنخفضةً، أجنحتها تلامس مياه المُستنقع الراكدة، وكأنها تخشى أن تُظلِّلها سحابة. قال لي:
“هل تعرف لماذا لا تطير البلشونات عالياً؟ لأنها تَخْشى أن ترى انعكاسَ وجهها في الماء… وجهًا مُشوهاً بالطين والأوهام.”
أجبته وأنا أحدِّق في السقف الذي يقطر طنيناً:
“لكننا نعيش كلنا في مستنقعاتنا، أليس كذلك؟”
ضحك كطفلٍ اكتشف خدعة الكون:
“الفرق أن بعضنا يختار أن يكون بلشوناً، والبعض الآخر يُولدُ نسْراً… لكنه ينسى كيف يطير.”
مكتبة الأوهام
(الذاكرة هنا ليست خطاً مستقيماً، بل شجرة ذات فروع متشابكة.)
في إحدى ليالي العلاج الكيميائي، بينما كان البروفيسور يروي حكايات عن “أوديب” و”كاليبسو”، تذكرت فجأةً أنه كان يضع علامات حمراء على دفاتري المدرسية، كأن دمائه تسرّبت إلى أحرف الإغريق. قلت له :
“كنتَ قاسياً حينها.”
أجاب، بينما يعدِّل وضعَ أنبوب الأكسجين :
“كنت أحاول إخفاء خوفي من أن تكون الحياة مجرد ترجمة خاطئة لنصٍّ مفقود.”
أدركتُ حينها أننا نرتدي أقنعة مختلفة لنفس المهرج.
معادلة الوجود
(السرطان هنا ليس مرضاً، بل استعارةٌ لفيروسٍ فلسفي.)
ذات صباح، بينما كنا نراقب الممرضين وهم يتنقلون كشخصيات من رواية كافكا، قال البروفيسور:
“النسر في حلمي كان يصرخ: الحب هو الجاذبية الوحيدة التي لا نستطيع حسابها!”
سألته:
“وهل صدّقتَ ذلك؟”
أدار وجهه نحو النافذة، حيث كانت غيمةٌ تتشكل كشكلِ قلبٍ يذوب:
“كلما اقترب الموت، أدركتُ أن الحب هو الوهم الوحيد الذي لا أندم على إيماني به.”
سيرك الكلمات
(الكلام هنا يُبنى كأبراجٍ ورقية، ثم تُحرقها الأسئلة.)
قبل يومين من رحيله، أمسك البروفيسور بيدي وقال:
“هل تعرف لماذا تموت البلشونات بسلام؟ لأنها تعرف أن المستنقع سيمتص دماءها بكلّ برود.”
أجبته وأنا أحاول إخفاء رعشتي:
“لكنك لستَ بلشوناً… أنت النسر الذي حلم به.”
أغلق عينيه، وكأنه يستعيد لحظةً من زمنٍ غير هذا:
“النسر أيضاً يموت… لكنه يصرخ في السقوط كمن يكتب قصيدة أخيرة.”
نهاية اللعبة
في اليوم الأخير، تحوَّل حلم البروفيسور إلى حقيقتنا المشتركة. بينما كان يتنفس بصعوبة، همس:
“ها هي النسرة تأتي… انظر! إنها تحمل في منقارها نجمةً من حطام المجرات.”
قلتُ وأنا أضغط على زرّ إنذار الطواريء:
“من هي؟”
أجاب قبل أن يُغلق عينيه للأبد:
“إنها الموت… تلبس ثوب الحب لتخدعنا كالعادة.”
هندسة الفراغ
الآن، وأنا أكتب هذه الكلمات من سريري ذاته، أسمعُ صوت بلشونٍ يحلق خارج النافذة. ربما هو البروفيسور… أو ربما أنا.
في أورامنا، وفي أحلامنا، نُدرك أخيراً أن المستنقع لم يكن سوى مرآةٍ كُسرت… وأننا كنا طوال الوقت نراقب انعكاساتنا المُشوَّهة، بينما الحب الحقيقي يحلق عالياً كنسرٍ لم نجرؤ على أن نكونه. مجد العماري
