عفاف عبدالمحسن
بسم الله الرحمن الرحيم . قال تعالى في الآية الأولى من سورة الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ صدق الله العظيم
تهل على الأمة الإسلامية هذه الأيام المباركة في 27 من شهر رجب هي حدث عظيم ومُعجزة مؤكدة بالقرآن والسنة ، اتفق الفقهاء على حقيقتها، ورأيهم الأغلب أن الإسراء والمعراج كانا يقظة بجسد وروح معاً في ليلة واحدة ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) وأنها لمعجزة إلهية ثابتة ، ولا توجد عبادة مخصصة لها في ذلك اليوم والليلة ، بل يفضل فيها تعظيم الأعمال الصالحات كالصلاة على النبي والذكر والدعاء حيث من مغرب تلك الليلة المباركة ينتظر المسلمون ليلة الإسراء والمعراج متمعنين في الحكمة المهداء لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من رب العباد متقربين بالدعاء للمولى عز وجل ..
والإسراء : رحلة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليلاً من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس ، كما جاء في سورة الإسراء “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى”.
أما المعراج : هو صعود النبي صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس إلى السماوات العلا ، كما في سورة النجم “وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى”.
وبإذن الله الكريم الذي أحيانا لنشهد في هذا التاريخ 15 من شهر يناير للعام 2026 م الموافق 27 من شهر رجب للعام الهجري 1447 _ إذ تحل اليوم الخميس من أيام الأسبوع ذكرى الإسراء والمعراج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة بسنة واحدة .. يقول العارفون من الفقهاء :
هذه الرحلة من القضايا الغيبية التي حُف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .. بعناية الله ومعونته ، كما هو جليٌّ في أول سورة الإسراء .. ولا مجال في مثل القضايا (الغيبية) أن تخضع للمحاكمات العقلية التي يدَّعي فيها بعض المشككين معارضتها للقدرة البشرية ؛ فذلك مدخل خطير يوصل إلى إنكار كل الغيبيات بشبهة معارضتها للتصور العقلي والقدرة البشرية ؛ لذلك كانت أول صفات المؤمنين أصحاب الخشية والتقوى ذكرًا في كتاب الله (الإيمان بالغيب)، قال تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [البقرة: 2-3] ومع ذلك لم يترك العلماء ذكر أمثلة من الحياة الواقعية تنفي غرابة وقوع هذه الحوادث كالإسراء والمعراج وغيرها، كالإنترنت والفضاء الإلكتروني ونقل الصور والأصوات الحيّة من المشرق إلى المغرب في أجزاء من الثانية ، وهذا يذكرونه من باب زيادة الإيمان واليقين لا أكثر، أما الأصل في عقيدة المسلمين أن المؤمن يُسلم بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله مذعنًا لذلك خاضعًا له ؛ (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) [الأحزاب: 36].
_ لماذا حدثت المعجزة وماهو الحزن الذي حل برسول الله صلى الله عليه وسلم .. فكانت معجزة الإسراء والمعراج هي الحالة الربانية المهداة لنبي الأمة المصطفى صلى الله عليه وسلم لتخرجه من حزنه ؟
(( بعدما اشتدَّ عليه أذى قريش خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطَّائف ، وأمعنوا في التَّضييق عليه، يطلب من زعمائها نصرة الحقِّ الذي يدعو إليه ، وحمايته ، حتى يبلِّغ دين الله ، فما كان جوابهم إلا أن ردُّوه أقبح ردٍّ، ولم يكتفوا بذلك بل أرسلوا إلى قريش رسولاً يخبرهم بما جاء به محمَّد صلى الله عليه وسلم ، فتجهَّمت له قريش، وأضمرت له الشَّرَّ، فلم يستطع رسول الله صلى الله عليه وسلم دخول مكَّة إلا في جوار رجلٍ كافر، فقريش أحدقت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأضمرت له الشر وعادته جهرا ، فزاد حزنَه ، وهمَّه فقبل هذه الحادثة من قريش بدأ العام بموت أعز وأقرب الناس إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام .. أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، سيد قريش، عم الرسول محمد وكافله وناصره وحاميه ووالد رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه وأرضاه .. وماتت خديجة بنت خويلد أنيسته ومناصرته وأول من صدقته في دعوته حين جاءها يرتجف قائلا لها زمليني زمليني وروى لها ماكان بينه وبين الوحي ( جبريل عليه السلام ) من تكليفه بالدعوة للدين الإسلامي .. فوجب أن يكون حزينا تلك الأيام الصعبة ..
_ كان وجود أبي طالبٍ بجانب رسول الله صلى الله عليه وسلم سياجا واقيا له يمنع عنه أذى قريش؛ لأنَّ قريشًا ما كانت تريد أن تخسر أبا طالبٍ، ولمَّا تُوفي أبو طالب انهار هذا الحاجزُ، ونال رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من الضَّرر الجسديِّ الشيءُ الكثير.
_ وكانت خديجة رضي الله عنها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم البلسم الشَّافي لما يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجراح النَّفسيَّة التي يُلحقها به المشركون، ولمَّا توفيت فَقَدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هذا البلسمَ.
فسُمِّي ذلك العام بالنِّسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم “عام الحزن”
_ والمتفكر في الأمر الغيبي عليه طالما صدق بقلبه وسلم بما جاء في كتاب الله في سورة الإسراء والمعراج وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم العديدة وفي سورة النجم وسورة طه .. عليه أن يقول ماالهدف من هذه المعجزة الربانية الغيبية وأهميتها للدين الإسلامي وتعاليمه وقواعده وقيمه والعبادات المفروضة فيه على المسلمين .. فيدرك المتمعن المتفكر المسلم المؤمن أن الأهداف تمثلت في :
- أنَّ الله -عزَّ وجلَّ- أراد أن يتيح لرسوله صلى الله عليه وسلم فرصة الاطّلاع على المظاهر الكبرى لقدرته؛ حتَّى يملأ قلبه ثقةً فيه، واستنادا إليه؛ حتَّى يزداد قوَّةً في مهاجمة سلطان الكفَّار القائم في الأرض، كما حدث لموسى عليه السلام، فقد شاء أن يريه عجائب قدرته. قال تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى، قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى، قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هَيَ حَيَّةٌ تَسْعَى، قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُوْلَى، وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أخرى) [طه: 17-22] فلمَّا ملأ قلبه بمشاهدة هذه الآيات الكبرى، قال له بعد ذلك: (لِنُرِيَكَ مِنْ آياتنَا الْكُبْرَى) [طه: 23].
- في رحلة الإسراء والمعراج أطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على هذه الآيات الكبرى، توطئةً للهجرة، ولأعظم مواجهةٍ على مدى التَّاريخ للكفر، والضَّلال، والفسوق. والآيات التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرةٌ؛ منها: الذَّهاب إلى بيت المقدس، والعروج إلى السَّماء، ورؤية الأنبياء، والمرسلين، والملائكة، والسَّماوات، والجنَّة، والنار، ونماذج من النعيم والعذاب .
- كان حديث القرآن الكريم عن الإسراء في سورة الإسراء، وعن المعراج في سورة النَّجم، وذكر حكمة الإسراء في سورة الإسراء بقوله: (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتنَا) [الإسراء: 1] وفي سورة النجم بقوله: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيات رَبِّهِ الْكُبْرَى) [النجم: 18]. وفي الإسراء والمعراج علومٌ، وأسرارٌ، ودقائق، ودروسٌ، وَعِبَرٌ.
- نستقطع من كلام الدكتور الأستاذ / أبو الحسن الندوي هدفا مهما آخر ربما جاء ضمنيا في كلام الفقهاء وندرجه متضحا في رؤية الندوي الذي قال : اشتملت هذه الرِّحلة النَّبوية الغيبية ” الإسراء والمعراج ” على معانٍ دقيقةٍ كثيرةٍ، وشاراتٍ حكيمةٍ بعيدة المدى فقد ضمَّت قصَّةُ الإسراء، وأعلنت السُّورتان الكريمتان اللَّتان نزلتا في شأنه “الإسراء” و”النَّجم”: أنَّ محمّدا صلى الله عليه وسلم هو نبيُّ القبلتين، وإمام المشرقين والمغربين، ووارث الأنبياء قبله، وإمام الأجيال بعده، فقد التقت في شخصه، وفي إسرائه مكةُ بالقدس، والبيتُ الحرام بالمسجد الأقصى، وصلَّى بالأنبياء خلفه، فكان هذا إيذانا بعموم رسالته، وخلود إمامته، وإنسانيَّة تعاليمه، وصلاحيتها لاختلاف المكان والزَّمان، وأفادت سورة الإسراء تعيين شخصية النَّبي صلى الله عليه وسلم، ووصف إمامته، وقيادته، وتحديد مكانة الأمَّة التي بعث فيها، وآمنت به، وبيان رسالتها ودورها الَّذي ستمثِّله في العالم، ومن بين الشُّعوب، والأمم”
إذن مع كل ما أوردنا في حديث التفكر والتمعن ندرك أن الإسراء لم يكن مجرَّد حادث فرديّ بسيط رأى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات الكبرى ، وتجلَّى له ملكوت السَّموات ، والأرض مشاهدةً ، عيانا بل زيادةً إلى ذلك اشتملت هذه الرِّحلة النَّبوية الغيبية على معانٍ عظيمة وصلتنا لليوم وبعد 1447 عاما وأكثر للرسالة النبوية التي ارتضى فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام لعباد الله الإسلام دينا .
ختاما لحديثنا هنا للتذكير والتفكر .. نظم البوصيري قصيدته في ليلة الإسراء والمعراج مبينا أحداث تلك الليلة المباركة التي أخرج المولى فيها سيدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام من حالة الحزن إلى مسارات التفكير العميق في الأمة ومآلاتها وقيمة الدين الإسلامي ومصير المسلم والكافر والعاصي والعائد التائب وكلها آيات يعلمها النور الهادي من بعد لأمته وكيف ترفق بهم مع النبيين في عبادة مهمة ( الصلاة ) وهي صلة العبد بربه .. تقول أبيات القصيدة :
يا خير من يمم العافون ساحته
سعياً وفوق متون الأينق الرسم
ومن هو الآية الكبرى لمعتبرٍ
ومن هو النعمة العظمى لمغتنم
سريت من حرم ليلاً إلى حرم
كما سرى البدر في داجٍ من الظلم
وبت ترقى إلى أن نلت منزلةً
من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم ..
وقدمتك جميع الأنبياء بها والرسل
تقديم مخدومٍ على خدم
وأنت تخترق السبع الطباق بهم
في مركب كنت فيه صاحب العلم
حتى إذا لم تدع شأواً لمستبقٍ
من الدنوِّ ولا مرقى لمستنم
خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ
نوديت بالرفع مثل المفردِ العلم
كيما تفوز بوصلٍ أي مستترٍ
عن العيون وسرٍ أي مكتتم
فحزت كل فخارٍ غير مشتركٍ
وجزت كل مقامٍ غير مزدحم
وجل مقدار ما وليت من رتبٍ
وعز إدراك ما أوليت من نعـمِ
بشرى لنا معشر الإسلام إنّ لنا
من العناية ركناً غير منهدم