الأخبار الشاملة والحقيقة الكاملة​

2026-01-17

3:31 مساءً

أهم اللأخبار

2026-01-17 3:31 مساءً

أسس المصالحة الوطنية في ليبيا

المصالحة الوطنية

 مقاربة واقعية بين مقتضيات السيادة ومتطلبات التوافق

إعداد: د. عبدالغني حسن العريبي

تأتي هذه الورقة في إطار دعم الجهود الوطنية الرامية إلى بلورة تصور واقعي للمصالحة الوطنية الشاملة، انطلاقًا من إدراك عميق لخصوصية الحالة الليبية وتشابك أبعادها السياسية والاجتماعية والأمنية ، فالمرحلة الراهنة تفرض على صُنّاع القرار، لا سيما في الشرق الليبي، التفكير في صيغة تُحقق التوازن بين الحفاظ على النهج الوطني التحرري الذي شكّل أساس الموقف الوطني في مواجهة الفوضى والإرهاب، وبين الانفتاح العقلاني على مسار مصالحة وطنية تُعيد بناء الدولة على أسس السيادة والوحدة والمؤسسات الفاعلة.

ليبيا بين ذاكرة الصراع وحلم الدولة المستقرة

منذ العام 2011، عاشت ليبيا تحولات عميقة أفرزت انقسامًا سياسيًا ومؤسسيًا واجتماعيًا غير مسبوق، تحوّل تدريجيًا إلى صراع مسلح بين معسكرين، أحدهما يرى في بناء دولة القانون واستعادة السيادة أولوية وطنية لا يمكن التهاون فيها، والآخر ارتبط بمشاريع أيديولوجية أو مصالح جهوية، وقد تبلورت هذه الثنائية بشكل واضح خلال الحرب على الإرهاب، عندما واجهت القوات المسلحة الليبية بقيادة المشير خليفة حفتر جماعات متطرفة ترفع شعارات دينية لكنها تمارس العنف السياسي وتستقوي بدعم خارجي مباشر من دول متنفذة ساندت تيارات الإسلام السياسي.

لقد مثّلت هذه المرحلة لحظة فارقة في وعي الشرق الليبي، الذي دفع ثمنًا باهظًا من أمنه واستقراره في مواجهة المجموعات الإرهابية التي احتلت مدنًا بكاملها وارتكبت انتهاكات جسيمة بحق المواطنين ، من هنا أصبح الوعي الجمعي في الشرق يرى في الإسلام السياسي، بمختلف واجهاته، أحد الأسباب الرئيسة للمأساة الوطنية، وأن دعم الجيش والمؤسسات الأمنية هو الضمان الوحيد لاستعادة الدولة.

لكن هذا الاصطفاف لم يخلُ من آثار جانبية، إذ خلق حالة من القطيعة النفسية والسياسية مع الغرب الليبي، الذي ظلّ بدوره أسير خطاب الإسلام السياسي وتحت تأثير مصالح قوى محلية وخارجية ، وهنا تبرز أهمية التفكير في مقاربة للمصالحة لا تنطلق من النسيان أو المساواة بين الجلاد والضحية، بل من قراءة واقعية لموازين القوى ومقتضيات بناء الدولة.

مفهوم المصالحة الوطنية ومتطلبات السياق الليبي

المصالحة الوطنية في السياق الليبي ليست مجرّد دعوة لتجاوز الماضي أو إعادة توزيع السلطة، بل هي مشروع لإعادة تأسيس الدولة على قاعدة التوازن بين العدالة والسيادة، وبين الذاكرة الجماعية والمستقبل المشترك ، تجارب الدول التي مرت بصراعات داخلية، مثل جنوب إفريقيا ورواندا والجزائر، أظهرت أن المصالحة لا تُفرض بقرارات سياسية فقط ، بل تُبنى على إدراك مجتمعي بأن استمرار الانقسام يعني استمرار الضعف والتبعية.

في ليبيا، تزداد الحاجة إلى مقاربة تستبعد الأسباب السياسية التي فجّرت الخلافات، وتُحيل قضايا الأمن الوطني إلى جهات الاختصاص العسكرية والقضائية، بعيدًا عن المساومات السياسية ، فالمصالحة الحقيقية لا تتحقق إلا في ظل احترام واضح لمفهوم الدولة، حيث تُفصل المسائل الأمنية والجنائية عن الحوار السياسي والاجتماعي، ويُضمن في المقابل حق الضحايا في جبر الضرر وفق آليات قانونية شفافة.

الأبعاد السياسية والإطار المؤسسي للمصالحة

تاريخ الصراع الليبي يؤكد أن ضعف المؤسسات وغياب الدولة كانا البيئة الحاضنة لتنامي الولاءات الجهوية والحزبية، وأن أي مسار نحو المصالحة لن ينجح ما لم يُبنَ على قاعدة مؤسسية صلبة ، فالمعركة في جوهرها ليست بين الشرق والغرب، بل بين مشروع الدولة الوطنية ومشروع الفوضى.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تطوير الهيئة الوطنية للمصالحة القائمة بطريقة تجعلها أكثر فاعلية واحترافية ، فالهيئة، التي أنشئت بقرار من البرلمان، كانت خطوة إيجابية، لكنها لم تُمنح الأدوات القانونية والمهنية اللازمة لتصبح قادرة على إدارة ملفات المصالحة المعقدة، بما فيها جبر الضرر وتوثيق الانتهاكات والمفقودين ، ومن هنا، يقتضي تعديل الإطار القانوني للهيئة لتوسيع عضويتها لتشمل قضاة وخبراء في العدالة الانتقالية وعلم الاجتماع والسياسة العامة، وضمان التنسيق مع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بما يضمن استقلاليتها وكفاءتها.

الانتقال من “المشيخة” إلى “المهنية” لا يعني التخلي عن الرصيد الاجتماعي الذي تحمله الشخصيات القبلية والمجتمعية، بل دمجه ضمن هيكل وطني مؤسسي متوازن يحقق الشرعية الاجتماعية والكفاءة المهنية في آن واحد كون هذا العنصر يمثل واقعا اجتماعيا ورصيدا ثقافيا لا يمكن تجاوزه ، بهذا الشكل تصبح الهيئة أداة حقيقية لإدارة المصالحة، قادرة على ترجمة المبادئ الوطنية إلى سياسات عملية، بما يضمن العدالة والاستقرار في آن واحد.

التحدي الأيديولوجي: الإسلام السياسي بين الواقع والمخاوف

أحد أهم التحديات أمام المصالحة الوطنية هو الموقف من التيارات ذات الطابع الأيديولوجي، وعلى رأسها الإسلام السياسي ، فالتجربة الليبية أثبتت أن هذا التيار، في لحظاته المفصلية، لم يتعامل مع مفهوم الدولة كوطن جامع، بل كوسيلة للتمكين والسيطرة ، ومع ذلك فإن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تكون بالإقصاء الجماعي أو بلغة الانتقام، لأن مثل هذا النهج يُغذي روايات المظلومية ويُعيد إنتاج الصراع.

الحل يكمن في تحييد الإسلام السياسي عن مفاصل الدولة من خلال التشريع والمؤسسات، لا بالمواجهة الأيديولوجية ، يمكن الاستفادة من التجربة التونسية، حيث سمح الإطار الدستوري والمؤسسي بوجود الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، لكنه في الوقت ذاته وضع قيودًا صارمة على التمويل الخارجي واستعمال الدين في السياسة ، فالمسألة هنا ليست في الوجود، بل في حدود التأثير وآليات الضبط القانوني.

استراتيجية المصالحة في الشرق الليبي: بين التمكين والسيادة الوطنية

الشرق الليبي يمتلك اليوم رصيدًا سياسيًا ومعنويًا مهمًا بفضل ثباته على مبادئ السيادة الوطنية ومكافحة الإرهاب، غير أن هذا الرصيد يحتاج إلى توظيف استراتيجي في مسار المصالحة لا إلى توظيف عاطفي ، فالمصالحة لا تعني التفريط في تضحيات الشهداء ولا في ثوابت الجيش، بل تحويل هذا الإرث إلى مشروع وطني جامع يفرض نفسه بقوة المنطق والمؤسسات.

ومن هنا، يمكن القول إن مسؤولية الشرق اليوم هي أن يقود مشروع المصالحة من موقع القوة الأخلاقية والسياسية، عبر طرح مبادرة وطنية تتبنى مفاهيم العدالة الانتقالية والمواطنة وتكافؤ الفرص، وتُعيد ترتيب العلاقة مع الغرب على أساس احترام سيادة الدولة ووحدة مؤسساتها. فالتمسك بالسيادة لا يتناقض مع المصالحة، بل هو شرطها الحقيقي.

بناء الثقة مع الغرب الليبي: من منطق الغلبة إلى منطق الدولة

لا يمكن لأي مصالحة أن تنجح دون بناء جسور الثقة ، فالغرب الليبي، رغم تعقيداته، يضم قوى اجتماعية ووطنية غير مؤدلجة يمكن الحوار معها حول مستقبل الدولة ، المطلوب هو التمييز بين القوى السياسية المرتبطة بمشاريع خارجية، وبين المواطنين الذين تضرروا مثل غيرهم من الصراع.

تجارب الجزائر والمغرب ورواندا تُظهر أن نجاح المصالحة يبدأ من الاعتراف المتبادل بمعاناة الجميع ، ثم الانتقال إلى صياغة سردية وطنية جديدة تُعيد تعريف العدو المشترك (الانقسام، الفوضى، والارتهان للخارج) ، هذه المقاربة يمكن أن تُعيد الغرب إلى المسار الوطني، وتُضعف تدريجيًا نفوذ الإسلام السياسي دون مواجهة مباشرة.

الخاتمة: المصالحة كطريق لاستكمال التحرر الوطني وبناء الدولة المدنية

إن المصالحة الوطنية ليست خيارًا سياسيًا عابرًا، بل هي **امتداد لمعركة التحرر الوطني** التي خاضها الليبيون ضد الإرهاب والتدخلات الخارجية ، لكنها في الوقت نفسه معركة لبناء الدولة الحديثة التي تُدار بالقانون والمؤسسات لا بالولاءات.

وحتى يتحقق ذلك، لا بد أن تتوافر ثلاثة شروط أساسية:

  • أولها   :  أن تظل المصالحة إطارًا للسيادة الوطنية لا وسيلة لتدوير السلطة.
  • وثانيها : أن تُفصل بوضوح بين ما هو سياسي وما هو جنائي، وترك للقضاء الفصل اعتمادا على مبداء عدم الإفلات من العقاب.  
  • وثالثها : أن تكون قيادة المصالحة في يد مؤسسات شرعية وكفاءات وطنية قادرة على الجمع بين الحكمة والخبرة.

بهذا المعنى، يمكن للشرق الليبي أن يقود المصالحة من موقع المسؤولية التاريخية، وأن يُعيد توحيد الدولة على أسس جديدة تُكرّس السيادة وتُحصّن القرار الوطني، وتفتح صفحة جديدة من تاريخ ليبيا، تُكتب هذه المرة بإرادة وطنية خالصة.

داعين العلي القدير ان يعم الامن والأمان بلادنا الحبيبة ليبيا.

الكوني يدعو لإطار مؤسسي جامع لإدارة ملف المصالحة الوطنية عبر مفوضية مستقلة

المنفي يبحث مع أعيان مرزق مسارات مشروع المصالحة الوطنية

المبشر يدعو إلى ملتقى وطني جامع للمصالحة ولمّ الشمل

شارك المقالات:

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حاسبة العملة