في ظل تعقيدات المشهد الليبي واستمرار تداعيات الانقسام السياسي والانفلات الأمني وتراكم الانتهاكات على مدى أكثر من عقد، تتجدد الدعوات لإعادة الاعتبار لمساري المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان بوصفهما مدخلين أساسيين لتحقيق الاستقرار والسلام المستدام. وبين آمال الليبيين في طيّ صفحة الصراع، ومطالب الضحايا بالحقيقة والإنصاف وجبر الضرر، يبرز الجدل حول كيفية الموازنة بين المصالحة والعدالة الانتقالية، ودور المسار الأممي في ربطهما ضمن رؤية شاملة تستجيب لخصوصية الواقع الليبي.
وفي هذا السياق، تتباين المواقف بين من يرى في الحوار المهيكل حول حقوق الإنسان فرصة لتطوير آليات المعالجة والمساءلة، ومن يحذّر من مصالحة منقوصة قد تعيد إنتاج الأزمة، في وقت تؤكد فيه مكونات اجتماعية ووطنية أن المصالحة خيار سيادي لا بديل عنه، ومشروع دولة لا يحتمل التوظيف السياسي أو الإقصاء. المنصة استطلعت آراء حقوقيين واستعرضت أبرز هذه الرؤى والمواقف، وفرص وتحديات مسار المصالحة الوطنية في ليبيا، في ظل الرهانات المحلية والدولية على إنهاء الصراع وبناء دولة القانون والمؤسسات.
وحول هذا الموضوع أكد رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا أحمد حمزة أن مسار حقوق الإنسان في الحوار المهيكل يمكن أن يسهم في تطوير آليات التعاطي مع حالة حقوق الإنسان في ليبيا في المرحلة الراهنة والقادمة وبما ينسجم مع تطلعات وآمال ومطالب الليبيين خاصة فيما يتعلق بالمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية القائمة على ضمان حقوق الضحايا والمتضررين وجبر الضرر والتعويض وتسوية ملف المحتجزين والمعتقلين تعسفيا والسجناء السياسيين وسجناء الرأي.
وأضاف حمزة في تصريح لـ “المنصة” أن أولويات المرحلة تستلزم العمل جديا على الخروج بتوصيات ومقترحات تسهم في معالجة القضايا ذات الأولوية المتصلة بالمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية لكونها أساسا لتحقيق الاستقرار والسلام المجتمعي والوطني وبما ينعكس إيجابا على الحالة العامة لحقوق الإنسان ويلبي مطالب الضحايا والمتضررين من الانتهاكات التي شابت الحالة الليبية على مدار أكثر من عقد من الزمن جراء الانفلات الأمني وانتشار السلاح والتشكيلات المسلحة والجرائم التي ارتكبت بحق الأبرياء ناهيك عن الاعتقالات التعسفية والتهجير.
وشدد حمزة على ضرورة التفكير في إيجاد حلول شاملة لهذه الملفات بما يؤدي إلى إنهاء معاناة الضحايا على جميع المستويات وأعرب عن تمنياته أن تسفر توصيات مسار حقوق الإنسان عن تطوير آليات التعاطي مع هذه الملفات وتحسين مستوى أداء السلطات ومعالجة ملف حقوق الإنسان بما يتوافق مع متطلبات المرحلة وأولوياتها.
قال رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا عبد المنعم الحر إنه يمكن وصف المسار الأممي الذي يربط المصالحة بحقوق الإنسان بأنه مسار يبعث على الأمل الحذر.
وبين الحر في تصريح لـ “المنصة” أن ربط المصالحة الوطنية بحقوق الإنسان ليس رفاهية، بل شرط أساسي لاستدامة السلام حيث أن المصالحة دون عدالة انتقالية وضمان حقوق الإنسان ستكون هشة.
وأضاف الحر أن المصالحة الوطنية لا يجب أن تتم على حساب حقوق الضحايا وأن تكون في سياق عدالة انتقالية معتبرا أن المصالحة الوطنية دون مكاشفة هي تزوير للتاريخ وطمس للحقيقة .
ولفت الحر إلى أن ملف المصالحة الوطنية من الملفات التي لا يجب فتحها في المراحل الانتقالية مبينا أن المصالحة الوطنية تحتاج لمؤسسات قوية تحت حكومة تتمتع بشرعية الانتخابات وتبسط نفوذها على كامل ليبيا.
وأشار الحر إلى أن المسار الأممي للمصالحة هو فرصة تاريخية معربا عن خشيته من التلاعب بها كما يتم التلاعب بملف حقوق الإنسان.
واعتبر الحر أنه يمكن لهذا المسار معالجة أسباب الصراع الجذرية، مثل انتهاكات حقوق الإنسان، وتهميش المجموعات، والافتقار للمساءلة في الجرائم الفظيعة داعيا إلى أن تكون أصوات الضحايا وعائلاتهم في صلب العملية، مع آليات حقيقية للإنصاف وجبر الضرر.
وشدد الحر على أهمية شمولية الحوار من خلال إشراك جميع المناطق والفئات (بما في ذلك الأقليات العددية من الأمة الليبية والمرأة والشباب والمجتمع المدني) مع ضرورة تصميم آليات عدالة انتقالية ملائمة للسياق والخصوصية الليبية (لجان تحقيق، برامج تعويض، إصلاح أمني).
وقال الحر إن المسار الأممي الذي يدمج المصالحة مع حقوق الإنسان هو المسار الصحيح الوحيد لسلام مستدام في ليبيا حيث أن نجاحه مرهون بقدرة الليبيين على قيادة العملية، مع دعم دولي يضع حقوق الإنسان والشعب الليبي في المركز، وليس المصالح الجيوسياسية معتبرا أنه طريق شاق، لكن البديل هو استمرار الدورة المأساوية للصراع وانعدام الاستقرار.
من جانبه أكّد مجلس أعيان ليبيا للمصالحة أن المصالحة الوطنية تمثّل خيارًا سياديًا لا بديل عنه، ومسارًا تراكميًا لا يُبنى بالشعارات أو ردود الأفعال، بل بإرادة وطنية واعية وخطوات محسوبة وضمانات عادلة، مع مشاركة جامعة لكل الليبيين دون إقصاء، مشددًا على أن انحيازه الوحيد هو لليبيا ووحدتها ومستقبلها.
وأوضح المجلس، في بيان صادر عقب اجتماع عقده مجلس الإدارة بعد مشاورات موسعة شارك فيها عدد كبير من الأعيان والحكماء والشخصيات الاجتماعية والوطنية من مختلف مناطق البلاد، أن المصالحة مشروع دولة ومجتمع، وليس مشروع أشخاص أو جهات، ولا يجوز اختزالها أو توظيفها أو تحويلها إلى أداة للصراع السياسي.
وأثنى البيان على أي خطاب أو جهد يهدف إلى ترسيخ المصالحة على أساس العدالة وسيادة القانون والإنصاف وجبر الضرر وفتح مسارات العودة والإصلاح، معتبرًا ذلك توجهًا صحيحًا من حيث المبدأ، مع التأكيد على دعم كل صوت وطني وكل عمل جاد يستهدف محاربة الفساد، وصون المال العام، وتعزيز وحدة البلاد، وحماية مؤسساتها الوطنية، وترسيخ خضوع الجميع للقانون دون استثناء.
وأشار المجلس إلى نظرته الإيجابية المتزنة تجاه أي مساعٍ إقليمية أو دولية تقوم على احترام سيادة ليبيا وتكفل الملكية الليبية الخالصة للعملية السياسية، على أن تندرج في إطار المساندة لا الوصاية، والدعم لا التدخل، مؤكدًا أن المصالحة الحقيقية لا تعني طمس الحقيقة أو تبرير الانتهاكات، ولا إعادة إنتاج الصراع، بل تقوم على الاعتراف المتبادل بالألم، والاحتكام إلى القانون، وبناء الثقة تدريجيًا.
وأعلن المجلس وقوفه إلى جانب العمل المسؤول والخطوات المتدرجة المدروسة، إيمانًا بأن طريق السلام يبدأ بخطوة صحيحة تتبعها خطوات قائمة على الوضوح والاستمرارية، مؤكدًا استعداده لإطلاق مبادرة حوار وطنية شاملة لا تقصي أحدًا، وانفتاحه على التواصل مع أي طرف محلي أو دولي يتعامل مع ليبيا بوصفها وطنًا لجميع أبنائها ويحترم سيادتها ووحدتها.
ودعا مجلس أعيان ليبيا للمصالحة جميع الليبيين إلى تغليب منطق الوطن على منطق الخصومة، والكف عن خطاب التخوين والإقصاء، والانخراط الجاد في مسار وطني جامع ينهي مراحل الانقسام ويفتح أفق بناء الدولة، مؤكدًا في ختام بيانه أن المصالحة تظل الطريق الواقعي والضروري نحو دولة موحدة وعادلة ومستقلة، يحتمي فيها الجميع بالقانون وبالوطن.
http://الحر لـ “المنصة”: المسار الأممي الذي يربط المصالحة بحقوق الإنسان يبعث على الأمل الحذر