محمود امجبر
لستُ مؤرّخًا، ولا أدّعي امتلاك مفاتيح الحقيقة ، وكل ما أكتبه هنا ليس سوى ما التقطته أذني من روايات الشيوخ ، وما لمحته عيناي في الوثائق ، وما حاول خيالي أن يرمّمه من أطلالٍ صامتة.
أكتب لأزيل الغبار، لا لأعيد تشكيل الحقيقة .
أكتب لأشارك الدهشة ، لا لأفرض رواية .
وما أرويه قابل للنقد والإضافة والحذف… فالتاريخ ملك للجميع.
أتعرفون ما هو أجمل مكان في إقليمنا الجنوبي؟
قد تظنون أنه رمال زلاف الذهبية ، أو جبال مجدول ، أو أودية الآجال ….. قد يخطر ببالكم حوض مرزق ، أو وادي العنز ( أم الغزلان ) ، أو بحيرات قبرعون التي تخدع العين بزرقتها.
وربما يهمس أحدكم : جبال الحساونة … أو الحمادة الحمراء.
لكن لا …. أجمل مكان — في نظري — ليس من هذه كلها.
إنه مكان مهجور، مغمور، لا يطرقه أحد، ولا يلتفت إليه أحد ، كأنه صفحة سقطت من كتاب فزان، أو جملة نسيها الزمن بين فصلين.
إنه (( حافظ )) :
البلدة التي يعرفها الآباء، وتكاد الأجيال الجديدة تمرّ بجوارها دون أن تشعر بأن تحت أقدامها تاريخًا يتنفس.
تقع شمال غرب قرية الجديد اليوم ، وتجاور المنشية في إتجاه أم الغزلان … شدّتني إليها منذ سنوات طويلة … شدّتني بيوتها الطينية التي لم يبق منها إلا ما يشبه الهمس، شدّتني أسماء ساكنيها، شدّتني الوثائق التي تذكرهم كأنها تستدعيهم من الغياب.
وكلما تعمقت في الحديث عنها، شعرت أنني أقف على أطراف حكاية أكبر مني… حكاية أقدم من المنشية والمهدية والجديد نفسها.
يقول لي الحاج عبدالسلام البخاري الزروق وهو من الذين يحملون ذاكرة المكان في صدورهم إن غرب سبها قديمًا كان يعجّ بما يقارب اثنتين وستين منطقة ، كانت كلها تجاور حافظ ، وتتنفس معها الهواء نفسه منها :
إنقالولي ، الجديد ، كلب الدو، جديد الشارف ، سباهي، أم رويص ، أم الغزلان ، الغريبات ، قصير حجلة ، شباشين ، عين كري ، أميلح … وغيرها كثير .
ولكي نفهم هذا العالم القديم ، نحتاج أن نعود إلى كتب الدكتور أبوبكر بن عثمان الحضيري :
مسك وريحان ، فزان ، الإشارات … إنها مفاتيح لبوابات طُمست معالمها .
أما بلدة ” حافظ “ نفسها ، فهي إحدى قرى سبها التي كانت آهلة بالسكان حتى القرن الثاني عشر الهجري .
تقع غرب الجديد ، وتتوسط بساتين كانت يومًا خضراء ، حتى أن كثيرًا من عقود بيع النخيل كانت تُعرّف مواقعها بعبارة : بأرض حافظ.
سكنتها عائلات كثيرة ، لم يبق منها اليوم إلا القليل … اثنتان أو أربع على الأكثر .
تذكر الوثائق أسماءً إندثرت ، وأخرى بقيت جذورها ممتدة :
الهراشمة أبناء نور الدين ، آل الفراوي ، أبناء عبدالعزيز بن عبد الرقيب ، وغيرهم ممن لا تزال آثارهم تتنفس في السطور القديمة.


ويروى — وهذه من أغرب الحكايات :
أن رجلًا جاء في ستينيات القرن الماضي من إسبانيا ، يبحث عن أصل عائلته قال له أهله إن جذورهم تعود إلى بلدة اسمها حافظ في فزان .. جاء الرجل ، ورافقه السيد عبدالسلام الفراوي ، أحد أحفاد أقدم سكان البلدة .. وقف الرجل أمام الأرض التي خرج منها أجداده … ولم يجد إلا الجامع القديم ، واقفًا وحده كشيخٍ يحرس ذاكرة قرية سُوّيت بيوتها بالأرض .
ما تبقى من ” حافظ ” اليوم ليس إلا وثائق… أسماء… إشارات…
لكنها كافية لتعيد رسم ملامح المكان :
بيوت ، نخيل ، بساتين ، أزقة ، مساجد ، عائلات ، قصص حب وخصام ، بيع وشراء ، ميلاد ورحيل … حياة كاملة كانت هنا.
وقد جمعتُ — من الوثائق العرفية والمخطوطات — أسماءً وبيوتًا ، تعود إلى أعوام مختلفة بين 1130 و1196 هجري .

ليست هذه النبذة الأدبية من الذاكرة سردًا تاريخيًا ، بل شذرات من حياة أناس عاشوا هنا ، ومضوا ، وبقيت آثارهم تنتظر من يقرأها .. حقا .. ما أكتبه ليس تاريخًا ، بل محاولة للإقتراب من ظلّ الحقيقة .. محاولة لإعادة صوتٍ خافت إلى الواجهة .. محاولة لقول :
إن حافظ ليست مجرد أطلال …
إنها ذاكرة .
وأنا هنا فقط …
أزيح الغبار .
لا أكثر .