احتضن المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية، ضمن موسمه الثقافي، محاضرة علمية ألقاها الدكتور محمد علي عيسى بعنوان «هل أسهم بعض علماء الآثار الغربيين في تزييف تاريخنا وهويتنا»، تناولت بالنقاش والتحليل إشكاليات الدراسات الأثرية خلال المرحلة الاستعمارية، وأثرها على صياغة سرديات تاريخ المنطقة العربية.
المحاضرة، التي شهدت حضورا من باحثين وأكاديميين وطلبة مهتمين بالتاريخ والآثار، ركزت على ما وصفه المحاضر باحتكار بعض علماء الغرب لدراسات الآثار والتاريخ القديم في المنطقة العربية خلال الحقبة الاستعمارية، الأمر الذي انعكس – بحسب طرحه – على تقديم قراءة انتقائية لتاريخ المنطقة وحضارتها، بما يخدم تصورات ومصالح سياسية وثقافية معينة.
المرحلة الاستعمارية وصياغة السرديات التاريخية
استعرض الدكتور محمد علي عيسى الخلفيات التاريخية لهيمنة المدارس الغربية على أعمال التنقيب والتوثيق الأثري في عدد من الدول العربية، مشيرًا إلى أن هذا الاحتكار العلمي أدى إلى بروز نظريات تاريخية لم تُتح لها فرص المراجعة الكافية من باحثين محليين، ما ساهم في ترسيخ تصورات غير دقيقة حول نشأة الحضارات وتطورها.
وأوضح أن بعض الدراسات قلّلت من الدور المحوري لشبه الجزيرة العربية في حركة الهجرات الإنسانية القديمة، رغم ما تشير إليه دراسات لغوية وأنثروبولوجية حديثة حول كونها منطلقًا لهجرات مبكرة أثرت في حضارات متعددة، مثل الأكادية والبابلية والآشورية والكنعانية، إلى جانب حضارات وادي النيل وشمال أفريقيا.
وبيّن المحاضر أن إقصاء هذا الدور من بعض السرديات التاريخية ساهم في تشكيل صورة مجتزأة عن تاريخ المنطقة، وأضعف الربط بين الامتدادات الحضارية والثقافية بين المشرق والمغرب.
تاريخ الحرف الليبي منذ أقدم العصور في محاضرة علمية بالمركز الليبي للمحفوظات
محاضرة بعنوان “المنهج النقدي والتراث الطبي” بالمركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية
محاضرة علمية حول الهوية الثقافية الليبية بين السرديات التاريخية والقراءة الفلسفية النقدية
إشكاليات في قراءة النقوش والآثار
وتطرقت المحاضرة إلى عدد من الإشكاليات العلمية، من بينها سوء فهم بعض النقوش والكتابات القديمة، ونسبها إلى أصول محلية معزولة دون ربطها بسياقات أوسع، ما أدى إلى إغفال التفاعل الحضاري بين شعوب المنطقة.
وأشار الدكتور عيسى إلى أن بعض القراءات الأثرية القديمة اعتمدت على فرضيات مسبقة، وهو ما انعكس على تفسير المكتشفات، سواء في ما يتعلق بالأنماط العمرانية أو الرموز الدينية أو الأنظمة الكتابية، مؤكداً أن التطورات الحديثة في علم الآثار والتحليل الجيني واللغوي تستدعي إعادة النظر في كثير من تلك الاستنتاجات.
كما لفت إلى توظيف بعض نتائج الحفريات والتقارير الصحفية في فترات سابقة لإثبات وجود أوروبي قديم في المنطقة، دون الاستناد إلى أدلة علمية كافية، وهو ما أسهم – بحسب رأيه – في تكريس تصورات مغلوطة حول أصول بعض المكونات الحضارية.
دعوة لمراجعة علمية مشتركة
وفي ختام المحاضرة، شدد الدكتور محمد علي عيسى على ضرورة تكاتف الباحثين في مجالي الآثار والتاريخ القديم، والعمل المشترك بين الجامعات والمؤسسات البحثية العربية، لإعادة دراسة هذه القضايا وفق مناهج علمية حديثة تراعي التعدد الثقافي والتداخل الحضاري.
وأكد أن إعادة قراءة التاريخ لا تعني نفي جهود الباحثين السابقين، بل مراجعتها في ضوء المعطيات الجديدة، بهدف الوصول إلى رؤية أكثر شمولًا وإنصافًا لتاريخ المنطقة، وصون الهوية الثقافية من أي تشويه أو اختزال.
كما دعا إلى دعم مشاريع التوثيق الرقمي للمخطوطات واللقى الأثرية، وتشجيع الدراسات المقارنة بين النصوص القديمة، بما يفتح المجال أمام أجيال جديدة من الباحثين لتقديم إسهامات علمية رصينة تعيد التوازن إلى السردية التاريخية.
تفاعل الحضور ونقاشات مفتوحة
شهدت المحاضرة نقاشًا موسعًا بين الحضور، حيث طرح عدد من الأكاديميين تساؤلات حول آليات تصحيح المفاهيم التاريخية المتداولة في المناهج التعليمية، وأهمية إدراج نتائج الدراسات الحديثة ضمن المقررات الجامعية.
وأكد المشاركون أن مثل هذه الفعاليات الثقافية تسهم في رفع الوعي بأهمية البحث العلمي الرصين، وتعزز الحوار الأكاديمي حول قضايا الهوية والتاريخ، بعيدًا عن الطرح العاطفي أو الأحكام المسبقة.