تمتلك قرية سيدي بوسعيد التي اكتسبت اسمها من اسم الولي الصالح “أبو السعيد الباجي”، مكانة خاصة في الخريطة التونسية؛ إذ تتميّز المنطقة بمبانيها البيضاء ذات الزخارف الزرقاء التي تجمع بين الطرازَين الأندلسي والمتوسطي، ما يجعلها وجهة مفضلة للسياح .
وتشهد القرية التي تعد واحدةً من أشهر القرى التراثية والسياحية في تونس، تزايد مخاطر الانزلاقات الأرضية التي تهدّد استقرار الهضبة الصخرية التي تقف عليها، ما دفع السلطات إلى إغلاق أجزاء من الطرق وإخلاء بعض المنازل، لتطلق السلطات مبادرات وقائية للحفاظ على سلامة السكان والممتلكات.
وزادت مخاوف التونسيين بعد تسجيل انجرافات مماثلة في جزيرة صقلية الإيطالية، ما تسبب في انهيار عدد من المنازل، ودفع السلطات المحلية إلى تصنيف موقع الانهيار منطقةً منكوبة.
يقول أستاذ الجغرافيا في الجامعة التونسية، منجي بورقو، لـ”العربي الجديد”، إنّ “الانجراف الذي شهدته هضبة سيدي بوسعيد أدى إلى أضرار في الجزء المطلّ على البحر نتيجة تسبب المياه بشقوق في الأرض الطينية، ما تسبب في سقوطها. المخاطر المحدقة بقرية سيدي بوسعيد لا تطاول كامل مساحتها، بل تتركز في الواجهة البحرية، حيث عشرات المباني التي شيّدت قبل عقود من دون الأخذ بعين الاعتبار قدرة التربة على تحمل الثقل العمراني”.
ويضيف بورقو: “ما يحصل في سيدي بوسعيد من ترهل للواجهة البحرية، وانجراف كبير للتربة مسؤولية مشتركة بين الإنسان والطبيعة، فالإنسان غالباً ما يستخدم مناطق طبيعية هشّة من دون تقدير المخاطر، وتتكوّن الهضبة أساساً من طبقات طينية ورملية ضعيفة الاستقرار، وهي تميل إلى النزوح عند تشبعها بالمياه، كما تتميّز بانحدار شديد، إذ تصل درجة ميل منحدرات الهضبة إلى مستويات تتراوح بين 30 إلى 60 درجة، ما يزيد احتمالات تراجع التربة. هطول أمطار استثنائية مؤخراً، وسقوط كميات كبيرة من الأمطار منذ بداية شهر يناير/ كانون الثاني، زاد من تشبع التربة وتفكّكها، كما أنّ قرب قاعدة الهضبة من البحر يسهم في تآكل الأساس، ما يضعف ثبات الجرف”.
ويتابع: “لا يؤثر الانجراف على باقي أجزاء القرية ومقاهيها ودكاكينها السياحية، وترميم أضرار الانجراف ممكنٌ عبر حقن الإسمنت في الفتحات والشقوق الطينية لزيادة قدرتها على التماسك، مع بناء جدران خرسانية لدعمها، وربط المنازل القريبة من الجرف بقنوات صرف مياه الأمطار خارج منطقة الربوة في اتجاه السهل نحو الحي الأوروبي. تقدم التجارب المماثلة العديد من الحلول لكبح انجراف الهضبة المطلة على البحر، ومن بينها تقليص الانحدارات، وتثبيت التربة عبر غرس النباتات، وتصخير أسفل الجرف”.
وتلعب سيدي بوسعيد دوراً محورياً في اقتصاد المنطقة بفضل مقاهيها ومحلاتها الحرفية، وإطلالتها الخلابة على البحر، وتسعى السلطات المحلية بالتنسيق مع السكان إلى الحفاظ على خصائصها العمرانية وتقاليدها الاجتماعية رغم التحديات.
وتحتضن سيدي بوسعيد، إضافة إلى صبغتها السياحة، العديد من الأنشطة الثقافية، وكانت على مرّ العقود مزاراً للفنانين والأدباء من مختلف الجنسيات، كما أصبحت رمزاً للثقافة والفنون بشوارعها الضيقة وأزقتها الساحرة التي تمثل الوجه الحضاري لتونس.
وفي حين تضطر السلطات إلى إغلاق أجزاء من الطرق الحيوية للحد من الوزن الثقيل فوق الهضبة، ومنع مرور الحافلات والشاحنات الثقيلة على المنحدرات لتخفيف الضغط على التربة، تتواصل جهود تسجيل سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو تقديراً لقيمتها الطبيعية والثقافية والفنية.