أعلنت منظمة الصحة العالمية اليوم أن ليبيا نجحت في القضاء على التراخوما بوصفه مشكلة صحية عامة، في خطوة بارزة تُسجل ضمن الإنجازات الصحية الكبرى في إقليم المنظمة لشرق المتوسط.
ويُعد هذا الإنجاز الذي تحقق بشق الأنفس حماية للأجيال القادمة من العمى الذي يمكن الوقاية منه، ويشكل دليلاً عملياً على قدرة الدول على التغلب على أمراض المناطق المدارية المهملة رغم التحديات المستمرة.
وأكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس أدحانوم غيبريسوس، أن هذا الإنجاز يعكس عزم ليبيا على حماية صحة شعبها، ويعزز إمكانية إحراز تقدم في مكافحة الأمراض المدارية المهملة في كل مكان.
وأوضح أن القضاء على التراخوما يمثل إنجازاً ملهمًا لإقليم شرق المتوسط والمجتمعات المحلية في جميع أنحاء ليبيا، مشيراً إلى أن ليبيا أصبحت بذلك البلد الثامن والعشرين عالمياً، والثامن في إقليم شرق المتوسط الذي ينجح في القضاء على هذا المرض.
جهود ليبيا المستمرة وتاريخ مكافحة التراخوما
يُعد هذا الإنجاز نتيجة عمل طويل الأمد، إذ استمر وجود التراخوما في ليبيا لأكثر من قرن، وفقاً للمسوحات التي أُجريت خلال القرن العشرين، والتي أظهرت ارتفاع مستويات التراخوما النشطة خصوصاً في مناطق الجنوب.
ومع جهود وزارة الصحة في السبعينات والثمانينات لمكافحة أمراض العيون المعدية، تراجعت معدلات انتشار العدوى بشكل ملحوظ، إلا أن التركيز الوطني على القضاء النهائي على المرض بدأ فعلياً في عام 2017، ضمن البرنامج الوطني لصحة العين الذي أدرج التراخوما كأولوية صحية.
وبدعم من منظمة الصحة العالمية، ومنظمة سايت سيفرز، والمبادرة الدولية لمكافحة التراخوما، أُجريت مسوحات ميدانية في عام 2022 في ست مناطق جنوبية كان يُشتبه في استمرار المرض فيها.
وأسفرت النتائج عن انخفاض معدلات انتشار التراخوما النشطة وداء انحراف الأهداب دون عتبات التخلص من المرض، باستثناء منطقة وادي الحياة/غات التي خضعت لاحقاً لحملة جراحية لمعالجة انحراف الأهداب. وفي عام 2025، أكد مسح متابعة انخفاض معدل انتشار داء انحراف الأهداب إلى ما دون العتبة المحددة للتخلص من المرض.
التقدم رغم تحديات السنوات الأخيرة
يشكل هذا الإنجاز تحدياً كبيراً بالنظر إلى سنوات عدم الاستقرار السياسي والأزمات الإنسانية التي أثرت على الخدمات الصحية وزيادة الطلب على المياه والصرف الصحي والنظافة العامة.
وقد نجح البرنامج الوطني للتخلص من التراخوما في ليبيا رغم هذه الظروف في: الترصُّد المستمر للمرض، توسيع نطاق الرعاية الجراحية، بناء القدرات بين العاملين في مجال صحة العيون، إقامة شراكات مع الجهات الوطنية والدولية الفاعلة.
وقال القائم بأعمال وزير الصحة محمد الغوج: “هذا التحقق من القضاء على التراخوما مصدر فخر لليبيا، ويعكس التزام العاملين الصحيين والمجتمعات المحلية في جميع المناطق، حتى في أصعب الظروف، لضمان مستقبل خالٍ من العمى الذي يمكن الوقاية منه”.
كما أشاد ممثل منظمة الصحة العالمية في ليبيا أحمد زويتن، بالتعاون بين فرق وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية، مؤكداً أن هذا الإنجاز يُعد شهادة حية على ما يمكن تحقيقه عندما تتوحد الجهود الوطنية والدعم الدولي في مجال الصحة العامة.
نبذة عن التراخوما وطرق الوقاية
ينتج التراخوما عن بكتيريا المتدثرة الحثرية، وينتقل عبر ملامسة إفرازات العين المصابة عن طريق اليدين أو الملابس أو الذباب. ويمكن أن يؤدي تكرار العدوى إلى انحراف الأهداب حيث تتجه الرموش إلى الداخل، مسببة خدوشاً في العين تؤدي إلى العمى إذا تُركت دون علاج.
وعالمياً، لا يزال المرض متوطناً في المجتمعات الفقيرة التي تعاني من محدودية الوصول إلى المياه والصرف الصحي. وفي عام 1996، أطلقت منظمة الصحة العالمية تحالف GET2020 للقضاء على التراخوما عالمياً، وشكلت شبكة من الحكومات والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الأكاديمية لتسريع وتيرة القضاء على المرض.
أثر القضاء على التراخوما في ليبيا
يعكس القضاء على التراخوما في ليبيا نجاح برامج الصحة العامة الممنهجة والمستندة إلى البيانات، ويظهر كيف يمكن التغلب على الأمراض المدارية المهملة حتى في ظل ديناميات الهجرة المعقدة والأزمات الإنسانية.
وبفضل هذا الإنجاز، تنضم ليبيا إلى مجموعة متزايدة من بلدان إقليم شرق المتوسط التي نجحت في القضاء على التراخوما، وهو ما يمثل خطوة نحو تحقيق أهداف الصحة العامة للأمراض المدارية المهملة للفترة 2021-2030.
ويؤكد هذا الإنجاز أن الالتزام المهني، والشراكات الدولية، والجهود الوطنية المتواصلة يمكن أن تحقق نتائج ملموسة في مكافحة الأمراض المزمنة، ما يرفع من تصنيف ليبيا في مجال الصحة العامة ويعزز رفاه المجتمع، ويشكل نموذجاً يحتذى به للبلدان الأخرى في المنطقة.
التزام ليبيا المستقبلي بالصحة العامة
بعد هذا الإنجاز، تؤكد ليبيا التزامها بمواصلة الجهود لمكافحة الأمراض المدارية المهملة وتحسين صحة المواطنين، عبر تعزيز نظم الرعاية الصحية، وتوسيع نطاق الخدمات الأساسية، وضمان وصول الرعاية الصحية إلى جميع المناطق، بما فيها الأكثر هشاشة.
ويعتبر القضاء على التراخوما إنجازاً وطنياً يعكس قدرة الشعب الليبي والعاملين الصحيين على تجاوز التحديات الكبيرة، ويؤكد أن التخطيط الدقيق، والشراكات الاستراتيجية، والاستخدام الذكي للبيانات الصحية يمثل مفتاحاً لتحقيق أهداف الصحة العامة، وضمان مستقبل صحي للأجيال القادمة.
منظمة الصحة العالمية: كينيا تقضي على مرض النوم كأزمة صحية عامة
وزير الصحة بحكومة الوحدة يعتمد “نهج الصحة الواحدة” لمكافحة الأمراض
أبوجناح يعلن إطلاق “نهج الصحة في ليبيا” بمناسبة اليوم العالمي للصحة الواحدة