في أزقة المدينة القديمة بطرابلس، كانت تسمع طوال ليالي رمضان صوتاً عذباً يتردد بين البيوت والمساجد: “ساهر الليل يا ساهر الليل، يا داير البركة يا داير الخير، نوضوا تسحروا يا صايمين يا نايمين”، هذه الكلمات كانت علامة مرور “ساهر الليل”، أو ما يعرف بالمسحراتي، الذي يجوب الشوارع طبلًا صغيرًا وصوتًا منشداً لإيقاظ الناس للسحور قبل آذان الفجر.
التوثيق التاريخي والموروث الشعبي
المسحراتي ليس مجرد صوت في الليل، بل هو تقليد متجذر في الموروث الشعبي الليبي، النداء الذي يطلقه يحمل دعاءً وبركة للصائمين، ويشكل جزءاً من الهوية الرمضانية في طرابلس، حيث يرتبط بأزقة المدينة القديمة ومساجدها التاريخية، مثل جامع الدروج وجامع الناقة.
هذه العادة العريقة لم تغب عن أنظار الباحثين، فقد وثقت بعض الكتب الإيطالية عادات المسلمين في إقليم طرابلس الغرب، مؤكدة على خصوصية “ساهر الليل” ودوره في ليالي رمضان، كرمز اجتماعي وثقافي يربط المجتمع بتقاليده وعاداته.
الواقع الحالي وتراجع المهنة
مع تقدم الزمن وتطور التكنولوجيا، بدأ نشاط المسحراتي يتراجع تدريجياً، يُذكر أن آخر المسحراتية في المدينة القديمة اختفوا تقريباً في أواخر التسعينيات (1997-1998)، وكانوا غالبًا من كبار السن.
رغم هذا الانحسار، لا يزال “ساهر الليل” يشكل رمزًا لرمضان في ذاكرة كبار السن، ويستذكره الأطفال من خلال قصص الجدات والأجداد.
في ليلة السابع والعشرين من رمضان، يتحول نداء “ساهر الليل” من دعوة للسحور إلى كلمات وداع للشهر الكريم، مشكلاً لحظة عاطفية وروحانية تذكر الصائمين بقيمة الشهر وما يحمله من بركة ورحمة.
جهود لإحياء التقليد
في السنوات الأخيرة، ظهرت محاولات لإحياء هذه العادة في بعض المناطق، ضمن جهود للحفاظ على الموروث الشعبي الليبي وتعريف الأجيال الجديدة به.
ويشارك البعض في إحياء صوت المسحراتي خلال ليالي رمضان كجزء من الفعاليات الثقافية والاحتفالات المحلية، ليظل التراث حيًّا رغم مرور الزمن.
ساهر الليل في الثقافة الشعبية
إضافة إلى دوره الرمضاني، يُستخدم مصطلح “ساهر الليل” في الثقافة الشعبية لوصف من يسهر طويلاً لأسباب مختلفة، سواء طربًا أو قلقًا أو غربة.
أما مهنة المسحراتي، فهي كانت تعتمد على حمل الطبل أو المزمار وإيقاعه بطريقة منتظمة لإيقاظ الناس قبل صلاة الفجر، غالبًا مع تهليلات أو أناشيد دينية، لتمنح الصائم شعورًا بالسكينة والبركة قبل بداية يومه.
يبقى “ساهر الليل” رمزًا حيًا لتقاليد طرابلس الرمضانية، يجسد روح المجتمع الليبي وارتباطه بالموروث الديني والاجتماعي، ويذكّر بأن لكل تقليد قيمة لا تُقدّر بثمن، حتى في عصر التكنولوجيا والانشغالات الحديثة.