الأخبار الشاملة والحقيقة الكاملة​

2026-02-26

3:52 صباحًا

أهم اللأخبار

2026-02-26 3:52 صباحًا

المسحراتي.. حارس السَّحور وذاكرة رمضان الشعبية

Wide Web-Recovered

قبل أن تُعرف المنبّهات والساعات الرقمية، كان صوت الطبل في الأزقة الضيقة هو الإشارة الأصدق لاقتراب الفجر. ذلك الصوت الذي ارتبط بذاكرة رمضان وحنينه، وحمل صاحبه اسمًا بات جزءًا من التراث الشعبي العربي: “المسحراتي.”

من هو المسحراتي

المسحراتي هو شخص يجوب الأحياء ليلًا في شهر رمضان، قبيل أذان الفجر، لإيقاظ الناس لتناول السحور، مستخدمًا الطبل أو مرددًا أهازيج شعبية ودينية. ويُعد من أبرز المظاهر التراثية المرتبطة بالشهر الفضيل في العديد من البلدان العربية والإسلامية، ومن عبارات المسحراتي الشهيرة ” اصحى يا نايم وحد الدايم، قول نويت بكره إن حييت الشهر صايم، وفي الفجر قايم رمضان كريم”.

ورغم عدم وجود مصادر تاريخية موثقة تشير الى بداية ظهور مهنة المسحراتي، إلا أن  بعض الروايات التاريخية تشير  إلى أن البدايات المنظمة لمهنة المسحراتي تعود إلى العصر النبوي. فقد ورد أن الصحابيين بلال بن رباح وعبدالله بن أم مكتوم كانا يؤذنان للسحور؛ حيث كان بلال يؤذن أولاً ليبدأ الناس بتناول السحور، ثم يؤذن ابن أم مكتوم مع اقتراب الفجر للإمساك.

و ظهرت مهنة المسحراتي في مصر في العصر الفاطمي خلال القرن العاشر الميلادي. ويُذكر أن والي مصر آنذاك عتبة بن إسحاق كان يجوب الشوارع ليلًا لإيقاظ الناس لتناول السحور،حيث كان يسير على قدميه من مدينة الفسطاط حتى مسجد عمرو بن العاص، وكان ينادي ويقول: “يا عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة”. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المهنة تلقى قبولاً عند عامة الناس لكون الوالي أول من عمل بها.

كما ارتبط تنظيم هذه العادة باسم الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله ، الذي شجّع على إيقاظ الناس للسحور، لتترسخ الظاهرة في أحياء القاهرة، ومنها انتقلت إلى مدن العالم الإسلامي.

انتشار واسع بطابع محلي

سرعان ما عبرت عادة المسحراتي حدود مصر، فوصلت إلى مدن المشرق والمغرب، مع اختلافات في الأداء والأدوات. ففي دمشق والقدس ، كان المسحراتي يمر بالأحياء مرددًا أهازيج دينية، بينما في اسطنبول عُرف باسم “Ramazan Davulcusu”، مرتديًا الزي العثماني التقليدي وضاربًا على طبل كبير.

ورغم اختلاف اللهجات، بقي الهدف واحدًا: إيقاظ الصائمين قبل أذان الفجر، وتعزيز روح الجماعة في الحي.

دور اجتماعي يتجاوز الإيقاظ

لم يكن المسحراتي مجرد “منبّه بشري”، بل كان عنصرًا فاعلًا في النسيج الاجتماعي. كان يحفظ أسماء سكان الحي، وينادي الأطفال بأسمائهم، ويضفي أجواء من الألفة والمودة. وفي نهاية الشهر، يتلقى “العيدية” من الأهالي تقديرًا لجهده، في مشهد يعكس التكافل والتواصل المجتمعي.

بين الاندثار والحنين

مع تطور وسائل التكنولوجيا، تراجع حضور المسحراتي في المدن الكبرى، إذ حلّت الهواتف الذكية محل الطبل، غير أن بعض الأحياء الشعبية والبلدات القديمة ما زالت تحافظ على هذا التقليد، إما بمبادرات فردية أو ضمن فعاليات رمضانية تراثية.

اليوم، قد لا يحتاج الناس إلى من يوقظهم للسحور، لكن المسحراتي يبقى رمزًا حيًا لذاكرة رمضانية دافئة، تختزل بساطتها معنى الجماعة وروح الشهر الفضيل. فبين ضربة طبل وأخرى، حكاية تاريخ طويل من الألفة، ما زال صداه يتردد في أزقة المدن القديمة.

شارك المقالات:

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حاسبة العملة