الأخبار الشاملة والحقيقة الكاملة​

2026-02-28

5:49 مساءً

أهم اللأخبار

2026-02-28 5:49 مساءً

عندما يتحول الحزن إلى منتجع سياحي!

عندما يتحول الحزن إلى منتجع سياحي!

خالد محمود

بمجرد أن تفيض الروح إلى بارئها، ويغادرنا العزيز إلى دار البقاء، يظن البعض أن “القصة انتهت”.. لكن الحقيقة في ليبيا أن القصة “بدأت تواً”. فبمجرد إعلان الوفاة، تُفتح فاتورة مالية لا تُغلق إلا بمرور شهر كامل، ويتحول بيت الميت فجأة -وبقدرة قادر- من مكان للحزن والمواساة إلى “منتجع سياحي غير رسمي” يستقبل الوفود بابتسامة صفراء وخدمة فندقية متواصلة.

في رمضان تحديداً، يأخذ العزاء بعداً “ترفيهياً” غريباً؛ فالناس لا تأتي لتعزيك، بل تأتي لتقضي “سهرة رمضانية” متكاملة الأركان. يبدأ الهجوم الكاسح من العصر وحتى أذان المغرب، ليتناولوا إفطارهم “على نية المرحوم”، ثم تمتد السهرة إلى ما بعد السحور. يتحول البيت إلى “منتدى اجتماعي مفتوح”، تُناقش فيه أسعار الدولار، وتشكيلة المنتخب، وآخر أخبار المسلسلات، بينما أهل الميت يدورون كالنحل في خلية، يوزعون الشاي والقهوة والمياه المعدنية، وكأنهم طاقم ضيافة في طائرة لا تهبط أبداً!

المفارقة المضحكة المبكية هي تلك “المعونة” البسيطة التي يجمعها أفراد القبيلة؛ مبلغ زهيد يتم تسليمه لأهل الميت في “يوم المأتم”، لكن الصدمة أن هذا المبلغ يتم “التهامه” حرفياً في وجبة الغداء نفسها! يلتهم المعزون الأرز واللحم بكل همة، ثم يمسحون أيديهم بوقار، ويستعدون لجولة أخرى “غير مدفوعة الأجر” من المشروبات والحلويات في الأيام القادمة؛ فما دام العزاء مفتوحاً، فالحساب على ورثة المسكين!

أما البنية التحتية للعزاء، فهي قصة أخرى. مضخة المياه لا تهدأ، تهدر ليل نهار وكأن المعزين قرروا غسل ذنوب المنطقة كلها في حوش الميت. بئر الماء يفرغ ويُملأ، والكهرباء “عدادها يرقص” تحت وطأة كشافات الخيمة التي تضيء الشارع وكأننا ننظم بطولة أمم أفريقيا، ناهيك عن أطنان الحطب والفحم التي تُحرق لتدفئة “الضيوف” في الشتاء، بينما قلب صاحب الحوش “محروق” من الداخل والخارج.

يا سادة، الموت في ليبيا لم يعد مجرد فراق، بل أصبح (مشروعاً استثمارياً) خاسراً لأهل الميت. فهل نحن فعلاً نحتفي بوداع من نحب؟ أم أننا ننتقم من أهله بفرض “سياحة تعزية” تجعل الحي يتمنى اللحاق بالميت هرباً من الفواتير؟

وسط هذا الطوفان من المصاريف، وبسبب القفزات الجنونية في أسعار الأغنام والسلع التي صارت تنافس “سعر الذهب”، حدثت المعجزة! فقد بدأت بعض القبائل والمدن الليبية الواعية في إعلان “حالة الطوارئ الاجتماعية”. قرروا بكل شجاعة إلغاء “ولائم الموت” ونحر الخرفان التي كانت تلتهم ميزانية الورثة قبل أن يجف تراب القبر.

اليوم، بدأت تظهر جملة (العزاء ملغي) أو (لا يوجد غداء) في الإعلانات، وهي جملة قد تصيب “هواة الزردات الرمضانية” بالإحباط، لكنها أنقذت أهل الميت من السجن المؤبد في الديون. أصبح العزاء الآن يقتصر على “الموجود”: تمرة، قهوة، والتعزية صارت لها ساعات محددة، بعيداً عن “كمائن” الغداء والعشاء.

لقد أدرك هؤلاء أخيراً أن الميت لا يحتاج إلى طناجر أرز ليصله الدعاء، وأن المعزّي “الحق” هو من يأتي ليخفف الحمل، لا ليملأ بطنه ثم يغادر وهو ينتقد الطباخ!

شارك المقالات:

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حاسبة العملة