شهدت ليبيا خلال شهر فبراير سلسلة من التطورات المتسارعة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية، عكست حجم التحديات التي تواجه البلاد في ظل استمرار الانقسام المؤسسي والضغوط الاقتصادية والتجاذبات السياسية. وتنوعت الأحداث بين ملفات أمنية مثيرة للجدل، وتحركات اقتصادية مؤثرة على حياة المواطنين، إضافة إلى سجالات سياسية وثقافية أثارت نقاشًا واسعًا في الشارع الليبي.
قضية الزبير البكوش تثير جدلًا قانونيًا وسياسيًا
من أبرز القضايا التي شغلت الرأي العام خلال فبراير قضية المواطن الليبي الزبير البكوش، بعد الإعلان عن توقيفه وترحيله إلى الولايات المتحدة على خلفية اتهامات تتعلق بالضلوع في هجوم بنغازي عام 2012 الذي استهدف القنصلية الأمريكية وأسفر عن مقتل أربعة أمريكيين.
زوجة البكوش، بسمة الفاخري، أكدت في تصريحات إعلامية أن قوة مسلحة عرّفت نفسها بأنها تابعة لجهاز الأمن الداخلي اقتحمت منزل العائلة يوم الأحد الماضي واعتقلت زوجها، مؤكدة أن القوة وعدت بإعادته إلى المنزل خلال ساعة. إلا أن الجهاز نفى لاحقًا احتجازه، بل طلب من العائلة فتح بلاغ باعتباره مختطفًا.
وأوضحت الفاخري أنها لم تعلم بوصول زوجها إلى الولايات المتحدة إلا عبر الأخبار المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنه يعاني من مرض في القلب ويتطلب أدوية بشكل مستمر، وهو ما دفعها إلى مناشدة السلطات الليبية توفير الدعم القانوني والطبي له.
في المقابل، أعلنت وزيرة العدل الأمريكية بام بوندي أن مكتب التحقيقات الفيدرالي ألقى القبض على الزبير البكوش باعتباره أحد المشاركين الرئيسيين في الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي عام 2012، مشيرة إلى أنه سيواجه تهمًا تتعلق بالقتل والحرق العمد وجرائم مرتبطة بالإرهاب.
العملية أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والقانونية داخل ليبيا، حيث وصف مستشار الشؤون الأوروبية في مجلس الأمن القومي الليبي عبدالباسط القاضي ما حدث بأنه عملية “مثيرة للجدل قانونيًا”، معتبرًا أنها تثير تساؤلات حول السيادة الوطنية وطبيعة التعاون الأمني مع الولايات المتحدة.
اغتيال سيف الإسلام القذافي يثير صدمة وتساؤلات
من الأحداث التي أثارت ضجة كبيرة خلال الشهر أيضًا إعلان مقتل سيف الإسلام القذافي، أحد أبناء الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي والمطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم ضد الإنسانية.
وبحسب تصريحات محاميه الفرنسي مارسيل سيكالدي، فإن سيف الإسلام قُتل على يد مجموعة مسلحة مكوّنة من أربعة أفراد داخل منزله في مدينة الزنتان غرب ليبيا.
من جهته أعلن مكتب النائب العام أن المحققين والأطباء الشرعيين قاموا بفحص الجثة، وأكدوا أن الوفاة نتجت عن إصابات بطلقات نارية. وأوضح المكتب أن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد هوية المشتبه بهم واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لملاحقتهم.
الواقعة أثارت ردود فعل واسعة في الداخل الليبي وخارجه، خصوصًا في ظل الغموض الذي يحيط بملابسات الحادث وتوقيته، إضافة إلى ما يمثله سيف الإسلام القذافي من رمزية سياسية لدى بعض الأطراف في المشهد الليبي.
احتجاجات في طرابلس بسبب الأوضاع المعيشية
على الصعيد الشعبي، شهدت العاصمة طرابلس خلال فبراير خروج تظاهرات في ميدان الشهداء شارك فيها عدد من المواطنين المحتجين على الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد.
وردد المتظاهرون شعارات تطالب بإسقاط جميع الأجسام السياسية في شرق وغرب ليبيا، كما رفعوا مطالب بضرورة تشكيل حكومة موحدة تبسط سلطتها على كامل الأراضي الليبية.
كما عبر المشاركون في الاحتجاجات عن غضبهم من ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة بعد تسجيل الدولار مستويات قياسية تجاوزت عشرة دنانير، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات.
وتعكس هذه الاحتجاجات حالة من التململ الشعبي المتزايد نتيجة الضغوط الاقتصادية واستمرار حالة الجمود السياسي التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
جدل حول الحالة الصحية لرئيس الحكومة
سياسيًا، أثارت تقارير إعلامية تحدثت عن تعرض رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة لوعكة صحية ونقله إلى إيطاليا لإجراء فحوصات طبية موجة واسعة من الجدل.
وذكرت تقارير إعلامية أن الدبيبة نقل إلى مستشفى سان رافاييل في ميلانو، مع احتمال دخوله العناية المركزة، إلا أن رئيس الحكومة نفى هذه المعلومات في بيان مطول أكد فيه أنه يتمتع بصحة جيدة.
وأوضح الدبيبة أن ما جرى كان مجرد فحوصات طبية إضافية أجراها خلال وجوده خارج البلاد لالتزام سابق، مؤكدًا أن العلاج الذي تلقاه داخل ليبيا كان ناجحًا ومطمئنًا.
الجدل حول هذه القضية أعاد طرح تساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية بشأن حق الرأي العام في معرفة الحالة الصحية للمسؤولين، ومدى تأثير ذلك على سير العمل الحكومي.
انتقادات بلدية لتصريحات الدبيبة
وفي سياق متصل، شهدت الساحة الليبية أيضًا موجة انتقادات من عدد من المجالس البلدية لتصريحات أدلى بها رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بمناسبة ذكرى 17 فبراير.
من جانبه كان الدبيبة قد أشار إلى أن البلاد تدخل الشهر الفضيل في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة، تتجلى في ارتفاع سعر الدولار وزيادة أسعار السلع الأساسية، موضحا أن السبب الرئيسي لهذه الأزمة هو 300 مليار دينار تم إنفاقها خلال السنوات الثلاث الماضية، وفق ما أقرّه مجلس النواب باعتباره ديناً عاماً.
وأوضح الدبيبة أن العملة الصعبة التي يطرحها مصرف ليبيا المركزي يلتهمها هذا الإنفاق، ما يؤدي إلى زيادة الطلب على النقد الأجنبي وتفاقم الضغوط على سعر الصرف، لافتاً إلى أن الحكومة التزمت بعدم تسجيل أي دين عام أو الاقتراض داخلياً أو خارجياً، رغم الضغوط، حفاظاً على استقرار الاقتصاد وقوة الدينار.
وخلال كلمة الدبيبة أعلن عن توجه حكومته لإجراء تعديل وزاري قريب، يهدف إلى سد الشواغر وضخ دماء جديدة داخل الجهاز التنفيذي.
البلديات اعتبرت تصريحات الدبيبة متضمنة لمعلومات مغلوطة حول الواقع التنموي في البلاد، واتهمت الحكومة بمحاولة صرف الانتباه عن قضايا الفساد وسوء إدارة الموارد.
وأشار المنتقدون إلى أن حجم الإنفاق العام خلال السنوات الخمس الماضية تجاوز 500 مليار دينار ليبي، بينما بلغت الاعتمادات المالية خلال عام 2025 نحو 26 مليار دولار، وهو ما أثار مخاوف من سوء الإدارة وغياب الشفافية.
مجلس الأمن يناقش الأزمة الليبية
على الصعيد الدولي، ناقش مجلس الأمن الدولي خلال فبراير تطورات الأوضاع في ليبيا، حيث قدمت المبعوثة الأممية إحاطة شاملة حول حالة الجمود السياسي والانقسام المؤسسي في البلاد.
وأكدت أن استمرار الخلافات بين المؤسسات السياسية يعرقل التقدم نحو إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، مشيرة إلى أن الإجراءات الأحادية من قبل بعض الأطراف قد تؤدي إلى تعميق الانقسام وتهديد وحدة المؤسسات القضائية.
كما حذرت من تدهور الوضع الاقتصادي وتراجع قيمة العملة المحلية، إضافة إلى تنامي ظواهر تهريب النفط والمخدرات والاتجار بالبشر.
جدل واسع حول الضرائب الجديدة وتراجع قيمة الدينار
من الملفات الاقتصادية المثيرة للجدل خلال فبراير أيضًا قرار فرض ضرائب جديدة على عدد من السلع المستوردة، وهو القرار الذي بدأ مصرف ليبيا المركزي تطبيقه تنفيذًا لما قيل إنه قرار صادر عن مجلس النواب.
وبحسب التقارير، شملت الضرائب الجديدة مجموعة واسعة من السلع مثل المواد الغذائية والمنتجات الاستهلاكية ومواد التنظيف وقطع غيار السيارات ومواد البناء والملابس والأجهزة الإلكترونية، إضافة إلى التبغ والسيارات الفارهة، بنسب تراوحت بين 7 و40 في المئة.
القرار أثار ردود فعل غاضبة في الشارع الليبي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تصدر وسم “لا لفرض الضرائب” قائمة الوسوم المتداولة، في تعبير عن رفض المواطنين لأي زيادات جديدة في الأسعار.
كما أعلنت حكومة الوحدة الوطنية رفضها للقرار، معتبرة أن فرض ضرائب جديدة لن يعالج جذور الأزمة الاقتصادية بل سيزيد من الضغوط على المواطنين ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
وفي المقابل، أصدر أكثر من مئة نائب في مجلس النواب بيانًا أكدوا فيه أن الضرائب المنسوبة إلى المجلس غير قانونية، مشددين على أن أي قرار مالي لا يكتسب صفة الإلزام إلا إذا صدر في جلسة رسمية مكتملة النصاب.
وتزامنت هذه التطورات مع تسجيل الدينار الليبي تراجعًا ملحوظًا أمام العملات الأجنبية، حيث تجاوز سعر الدولار 10.42 دينار لأول مرة، وهو ما زاد من حالة القلق بشأن الاستقرار الاقتصادي.
وفي محاولة لمعالجة هذه الأزمة، تم الإعلان لاحقًا عن قرار يقضي بخفض سعر صرف الدينار بنسبة 14.7 في المئة، إلى جانب إلغاء الضريبة المفروضة على مبيعات النقد الأجنبي بنسبة 15 في المئة بهدف الحفاظ على استقرار الأسعار.
جولة تراخيص نفطية تعيد اهتمام الشركات الأجنبية
اقتصاديًا، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط خلال شهر فبراير منح تراخيص تنقيب عن النفط والغاز لعدد من الشركات الأجنبية الكبرى، من بينها شيفرون وإيني وقطر للطاقة وريبسول.
وتعد هذه الجولة الأولى من نوعها منذ نحو عقدين، حيث كانت آخر جولة عطاءات في عام 2007، ما يجعل الخطوة مؤشرًا على عودة الاهتمام الدولي بالقطاع النفطي الليبي.
وشملت التراخيص مناطق في حوضي سرت ومرزق البريين إضافة إلى حوض سرت البحري في البحر المتوسط، الذي يعد من المناطق الواعدة في إنتاج الغاز.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تسهم في إنعاش قطاع الطاقة الليبي وجذب استثمارات أجنبية جديدة، رغم استمرار المخاطر السياسية والأمنية التي قد تؤثر على بيئة الاستثمار في البلاد.
جدل ثقافي حول استضافة بنغازي لعاصمة الثقافة العربية
ثقافيًا، أثار طلب من وزيرة الثقافة بحكومة الوحدة الوطنية إعفاء مدينة بنغازي من استضافة لقب عاصمة الثقافة العربية لعام 2026 موجة واسعة من الجدل في الأوساط الثقافية والإعلامية.
الطلب استند إلى ما وصفته الوزيرة بالظروف الراهنة والحاجة إلى التركيز على المصالحة الوطنية، إلا أن الخطوة قوبلت بانتقادات حادة من مثقفين وناشطين اعتبروا أنها تمثل تقويضًا لاستحقاق ثقافي مهم.
في المقابل، نفت وزارة الثقافة إلغاء الحدث، مؤكدة أن استضافة بنغازي لعاصمة الثقافة العربية لا تزال قائمة وأن ما حدث هو مجرد نقاش حول الترتيبات التنظيمية.
كما أكدت بلدية بنغازي ترحيبها بالقرار، داعية إلى إبقاء الحدث بعيدًا عن التجاذبات السياسية والعمل على تنظيم احتفالية تليق بالمكانة الثقافية للمدينة.
شهر حافل بالأحداث يعكس تعقيدات المشهد الليبي
في المجمل، عكس شهر فبراير صورة معقدة للمشهد الليبي، حيث تداخلت الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية في سياق واحد يعكس حجم التحديات التي تواجه البلاد.
وبين القضايا الأمنية المثيرة للجدل، والضغوط الاقتصادية المتزايدة، والتجاذبات السياسية المستمرة، يبقى السؤال المطروح حول قدرة المؤسسات الليبية على تجاوز حالة الانقسام وتحقيق الاستقرار الذي يتطلع إليه المواطنون منذ سنوات.
واشنطن تسلم زبير البكوش تمهيدًا لمحاكمته وسط نفي ليبي وحقوقي للاختصاص القضائي
واشنطن تسلم زبير البكوش تمهيدًا لمحاكمته وسط نفي ليبي وحقوقي للاختصاص القضائي
الميهوب يرفض اعتقال البكوش خارج ليبيا ويؤكد حق القضاء الليبي في محاكمة المتهمين