إدريس أحميد
نواصل متابعة تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في إطار قراءة تحليلية تستند إلى المؤشرات السياسية والعسكرية، مع إدراك أن استشراف المستقبل في الصراعات الدولية لا يقوم على اليقين المطلق، بل على تحليل الاتجاهات المحتملة للأحداث.
يشهد العالم مرحلة انتقالية تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين وروسيا، مع استمرار الدور الأمني لـحلف الناتو في التوازنات الدولية.
تشير قراءة مسار الأحداث إلى أن الصراع الحالي يميل إلى إدارة التوتر أكثر من الذهاب نحو الحسم العسكري السريع، حيث تعتمد إيران على سياسة الضغط التدريجي عبر إطلاق الصواريخ أو المسيرات بشكل محسوب لتحقيق تأثير نفسي واقتصادي على الجبهة المقابلة دون الدخول في استنزاف عسكري شامل، بينما تعتمد الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية على الضربات الدقيقة داخل العمق الإيراني مستفيدة من التفوق التكنولوجي والدعم السياسي والعسكري من الولايات المتحدة.
ولا يمكن قراءة الصراع بمعزل عن التنافس الدولي على شكل النظام العالمي القادم، فالسياسة الأمريكية تجاه إيران لا ترتبط بالملف النووي فقط، بل تتداخل مع رؤية استراتيجية للحفاظ على موقع القيادة الدولية في مواجهة صعود قوى عالمية أخرى.
وتتشابك العلاقات الدولية ضمن شبكة معقدة من المصالح بين الدول الكبرى؛ فالعلاقة بين الولايات المتحدة ودول أوروبا داخل حلف الناتو تشهد بعض التباينات في ملفات استراتيجية رغم استمرار التعاون الأمني، كما تتسم العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية بين الصين وأوروبا بدرجة عالية من الترابط التجاري.
وفي آسيا تتداخل التوازنات السياسية والعسكرية بين الهند وروسيا، مع استمرار التوترات بين الهند وكل من الصين وباكستان.
ويرى بعض التحليلات أن التفوق العسكري والتكنولوجي لـإسرائيل بدعم أمريكي قد يعزز موقعها الأمني في المنطقة، لكن الحديث عن سيطرة مطلقة يبقى محل نقاش بسبب الطبيعة الجيوسياسية المعقدة للشرق الأوسط، حيث لا تسمح الجغرافيا السياسية بفرض هيمنة دائمة لطرف واحد.
ويبقى قطاع الطاقة أحد أهم محددات الصراع، إذ إن أي اضطراب في الممرات البحرية أو المنشآت النفطية في الشرق الأوسط قد ينعكس على الاقتصاد العالمي عبر ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب حركة التجارة الدولية.
ورغم التصعيد العسكري، فإن احتمال اندلاع حرب عالمية شاملة يظل منخفضًا بسبب الترابط الاقتصادي الدولي، وتوازن الردع النووي بين القوى الكبرى، إضافة إلى الكلفة الباهظة لأي مواجهة واسعة.
لذلك قد تميل الصراعات الدولية مستقبلاً إلى الحروب المحدودة أو الضغوط الاقتصادية والسياسية بدل المواجهات المفتوحة.
في المحصلة، يقف العالم أمام مرحلة سياسية وأمنية مفتوحة على عدة احتمالات، لكن المؤكد أن الصراع الحالي أقرب إلى إدارة طويلة للأزمة منه إلى حسم عسكري سريع، إذ إن مستقبل الشرق الأوسط والعالم لن يتحدد فقط بنتائج المعارك العسكرية، بل بقدرة القوى الدولية على ضبط إيقاع الصراع ضمن شبكة المصالح المتداخلة التي تحكم النظام العالمي المعاصر.