عبد الله زاقوب
بالمنتصف الثاني من عقد السبعينات حللت ببنغازي طالباً بكلية الآداب، حيث يتم وضع ثلاث خيارات كانت: الفلسفة، اللغة العربية، التاريخ.. كنت اود ان ادرس او اتخصص بالفلسفة، لكن امتحان القياس اوكشف درجاتي، احالني على التاريخ، الذي كنت مولع به أيضا ….
وبعد تجاوز للايام والاسابيع الأولى وارتباكاتها، ولجتُ الكنز الثري والمغري لمن له هوس بالقراءة وبه مسُ البحث عن العجائب والغرائب فكانت المكتبة الصرح والمأوى لجزء كبير من الوقت، ولربما تأكيد للحقيقة والانصاف التهمت من الزمن اكثر مما تولت المحاضرات والمنهج المقرر…
فكان نيرودا الشاعر الساحر الأثير لدي وأول من منحني الدفء وتولى الولوج بي إلى تلك العوالم الساحرة، فقرأتُ ما توفر من دواوينه واصداراته وملحمته الكبرى، سيرته ورحلته الفذة عبر دروب وأنفاق ومسارب الكتب والفنون والعشق والسياسة والجبال أيضا، التي عنونها ”أعترف بأنني قد عشت“، تلك الرحلة العذبة والمضنية للشاعر والسفير ببقاع وبلدان عديدة، التي لازلت أعدُها من أرق وأجمل ما قرأت وكُتِب في السير الذاتية رغم قراءاتي فيما بعد لعشرات المذكرات والسير الذاتية الثرة للأدباء والكتاب والقادة والمثقفين والساسة، وهذا بشهادة العديد ممن عرفت فيما بعد. حيث اتاح لي نيرودا معرفة اراغون ولوركا والمناضل الشاعرالتركي الاثير ناظم حكمت الذي خصهُ الشاعر علي الرقيعي بقصيدة اذكر انه يقول فيها: (يا أبي قد صرتُ افهم.. روعة الحرف الذي يصنع للانسان سُلم“، تلك المنحة التي افضت لسارتر ووجوديته وكافكا ورفيقة دربه سيمون دي بوفوار، كما ادت تلك الرحلة للتماس مع نيكوس كازنتزاكي باعجوبته الموحية، زوربا، فكان الفلم الذي أسر الملايين من المشاهدين بكل قارات الأرض وبلدانها…
كما تعرفت على الشعراء والكتاب نازك الملائكة وبدر شاكر السياب والبياتي وعبد الرحمن منيف ويوسف ادريس وصلاح عبد الصبور والأدباء الأفارقة والآسيويين وبمقدمتهم الشاعر الهندي طاغور والسنغالي ليوبولد سنفور. إضمامة واسعة من الروائيين والشعراء والقاصين والنقاد كانت المحصلة، رافقتها الزيارة شبه الثابتة ومع نهاية كل أسبوع لمكتبة قورينا بوسط المدينة الحاوية للآلاف من الكتب العربية والمترجمة، حيث كنا ندلف بنهاية بتلك الرحلة الترفيهية لإحدى دور العرض لمتابعة الفلم الأكثر مشاهدة وأوسع اثارة…
هذا الزخم على الأرض كان يرافقه حذر وحركة جد محسوبة.. فقد جئنا للجامعة عقب الحراك الطلابي عام 76م.. فكانت كافة التحركات مراقبة ومرصودة والأعين تتحرك بقلق هنا وهناك تتلقف وتتابع الغريب والجديد من الأشخاص والوقائع خاصة ممن لهم علاقة قريبة أو بعيدة بتلك الأحداث التي كانت هنا بالأمس ولازالت آثار أحداثها تروى …
وللحديث صلة…