خالد محمود
في أدب أحلام مستغانمي، ثمة مشهد يختزل كبرياء النفس الليبية؛ تروي فيه كيف استضافت أسرتها عائلة ليبية، وعند الوداع، لم تجد السيدة الليبية ما يعبر عن فيض امتنانها سوى أن تخلع خاتمها من إصبعها وتقدمه هدية لآل مستغانمي. لم يكن الخاتم مجرد قطعة ذهب، بل كان قطعة من الروح تُهدى لتردَّ الجميل بأجمل منه.
هذا المعدن الأصيل ليس مجرد حكاية في كتاب، بل هو “جين” وراثي يتجلى اليوم في أبهى صوره بمدينة طبرق، دار السلام والشهامة، من خلال قصة المواطن ونيس محمد حسين المالكي.
ونيس.. وراثة الصيد ووفاء الصحراء
ونيس، الذي رضع حب الصحراء ومهارة “الرماكة” من والده الراحل محمد المالكي، يحمل في ذاكرته ندوب حادث مأساوي في صحراء الجغبوب، سلب منه والده وترك له دروس الصبر والأنفة. وفي يوم الخميس، 18 ديسمبر 2025، كانت الأقدار تنسج فصلاً جديداً من فصول النبل الليبي.
تحت ظلال برج اتصالات شاهق في عمق الصحراء، نجح ونيس في قنص “شاهين” حر، طائر يختصر أحلام الصقارين ومطامعهم. لكن المفاجأة كانت في “حجلة” الطائر؛ حلقة معدنية بألوان دولة الكويت تحمل اسماً ورقماً: محمد بن مدغم.
صراع الربح والشهامة
في عرف الصيد، يقول أهل المشورة إن الطائر إذا غاب عن صاحبه سنة و”صَفّى ريشه” يصبح ملكاً لمن أمسك به. وكان بإمكان ونيس — وهو الشاب المكافح الذي لا يبتسم له الحظ المادي كثيراً — أن يبيع هذا الصيد الثمين بمبالغ طائلة تقلب حياته رأساً على عقب.
لكنه اختار “الرأس المرفوع”.
اتصل ونيس بصاحبه في الكويت، ليجد خلف الهاتف صوتاً مكسوراً برحيل طائره المفضل الذي اشتراه من إيران بمبلغ مرقوم. لم يتردد ونيس لحظة واحدة؛ لم ينظر إلى ثمن الشاهين، بل نظر إلى ثمن “الكلمة” و”الأمانة”.
الرسالة: الليبيون لا يبيعون المروءة
قرر ونيس إعادة الطير إلى صاحبه في الكويت، ضارباً عرض الحائط بكل المغريات المادية. فعل ذلك ليرفع رأس الليبيين في كل مجلس، وليثبت أن الصحراء التي أنبتت “عمر المختار” لا تزال تنبت رجالاً يملكون عزة نفس تُغنيهم عن كنوز الأرض.
إن تخليه عن الشاهين هو امتداد لخلع السيدة الليبية لخاتمها في الجزائر؛ كلاهما قال للعالم بأسلوبه: “نحن لا نملك الكثير من المال أحياناً، لكننا نملك الكثير من الكرامة”.
“إن الكرم الليبي ليس فائضاً في المال، بل هو فائض في الرجولة والوفاء.”