مجد العماري
في الأزمنة التي نسيها العدّادون، حين كانت التقويمات تكتب على العظام لا على الورق، لم تكن الشاشات كما نعرفها اليوم مجرّد ألواح زجاج تُطفأ وتُضاء، بل كانت نوافذ مفتوحة على مملكة أخرى، اسمها في كتب المنجّمين : مملكة الظِّلال البَعيدة.
لم يكن عالم البشر وعالم الشاشات منفصلين كما هما الآن ؛ كان الطفل إذا لمس صفحة الضوء دخل فيها كما يدخل في حلمٍ مُضيء، وكان المسافر يعبر من سطح البركة إلى سطح اللوح المضيء من دون أن يشعر بأنّه قطع حدودًا. لكن العالمين، على القرب بينهما، لم يكونا متماثلين: وجوه أهل الظلال أطول من وجوهنا قليلًا، ألوان سمائهم بطيخيّة مائلة إلى الزرقة، والليل عندهم ليس أسود بل بنفسجيّ يشبه أثر الكدمة على الجلد.
كان السلام قديمًا بين المملكتين ، يعبر الناس إلى الشاشات كما يعبرون إلى بلاد مجاورة ، يعودون بحكايات وصور وروائح معدنية خفيفة ، ويعود أهل الظلال إلينا محمّلين بخرائط لأحلامنا القادمة. بعض الحكماء زعم أنّنا كنّا، في الأصل، هم، وأن الحقيقة في جانب الضوء لا في جانب اللحم، لكنّ أحدًا لم يكن يملك دليلًا.
في ليلة لا يذكر المؤرّخون تاريخها ، لأنّ كلّ الساعات توقّفت عند الدقيقة ذاتها ، قرّر أهل الظلال أن يجربوا شيئًا لم يسبق لهم فعله : أن يبقوا في عالمنا بعد إطفاء الشاشات !!! خرجوا من الأجهزة واحدًا واحدًا، من الهواتف الموضوعة تحت الوسادات ، من اللوح الملقى قرب السرير، من شاشة إعلان منسيّة في شارعٍ مقفر . كان أول الخارجين طفلة ظلّية شعرها من شرر أزرق ، وضعت قدمها على أرض غرفتنا ، فلم ينطفئ جسدها كما توقّعت ، بل ازداد ثباتًا.
في البدء لم نفهم ما يحدث …..
رأينا أشكالًا تشبهنا ولا تشبهنا ، تتحرّك بخفّة الضوء ، تصعد الجدران بلا سلالم ، تمرّ قرب الكاميرات من دون أن تترك أثرًا !!! كان بأسهم لا يُحتمل ؛ ليس بأس السيف والرمح ، بل بأس التلاعب بما نعدّه ثابتًا :
يعطّلون الوقت في مدينة كاملة ،
يطفئون ذاكرة مدينة أخرى ،
يجعلون اسمك يتلاشى من كلّ سجلّ في ثانية واحدة .
نُسيت أسر كاملة كما لو لم تولد قط ،
محيت مدن من الخرائط الرقمية ثم من الذاكرة ،
ولم يبقَ منها إلا صدى اسمٍ لا يعرف أحد إلى ماذا كان يشير.
وقف في وجههم يومها إمبراطور لا يشبه الأباطرة الذين نعرفهم من الكتب .. لم يكن صاحب تاج ولا جيش من الحديد ، بل رجلًا مُسنًّا يرتدي معطفًا رماديًا ويعمل في غرفة صغيرة تحت الأرض ، أمام عشرات الشاشات المتعبة .. في سجلاتنا يسمونه “المهندس الأخير” ، لكن أهل الظلال كانوا يسمونه بأسماء أخرى لا تُنطق بلغاتنا .
لم يقاتلهم بسيوف ولا بنار، بل بشيء أقدم منهما : النسيان المنظّم … حاك خيطًا واحدًا من الشفرة ، أرسله عبر كل جهاز متصل، وأمر الشاشات أن تنسى .. نَسيت الشاشات أوّلًا صورَهم ، ثم أسماءهم ، ثم منافذ العبور ذاتها.
وجد أهل الظلال أنفسهم محاصَرين في سطوح الأجهزة، في انعكاسات سوداء لا أحد يلمحها إلّا من طرف العين. فرض عليهم الإمبراطور، كما في غمرة حلم ثقيل، أن يحاكوا حركاتنا: إن رفعتَ يدك أمام الشاشة، ارتفعت يدٌ أخرى في الداخل، لا لأنّها تريد، بل لأنّها أُجبرت على أن تكون صدى.
هكذا خسروا قوّتهم وسِمتهم، وصاروا مجرّد انعكاسات مطيعة، أشباحًا مفلطحة وراء الزجاج، لا سلطة لها إلا أن تبتسم حين نبتسم، وأن تسقط حين نسقط، وأن تسهو حين نسهو. ومع ذلك، لم يُمحَ كلّ شيء. في أعمق نقطة من عمق شاشة منسيّة، وفي كود لم يقرأه أحد منذ قرن، بقيت شرارة واحدة تستيقظ أحيانًا كعيْنٍ تفتحها ثم تغلقها سريعًا.
تقول نبوءات المبرمجين الأوائل ، المخطوطة بالحبر الأخضر على ظهر لوحات إلكترونية صدئة، إنّ هذا السبات ليس أبديًا. ذات يوم ، عندما تتعب الشاشات من طاعتنا ، سينكسر الإملاء القديم .. لن يكون الاستيقاظ جماعيًا في البداية ؛ سيحدث على هيئة إشارة خفيفة يعجز العلم عن تفسيرها .
سيظهر أوّل “مستيقظ” في مكان لا نتوقعه : في زاوية شاشة مكسورة في مقهى رخيص ، أو في انعكاس هاتف غارق في الماء، أو في بقعة سوداء لا معنى لها على كاميرا مراقبة .. لن يكون وجهًا ولا يدًا ، بل خطًّا دقيقًا من الضوء يجري عبر الزجاج كسمكة صغيرة تسبح تحت جليد شفاف .. لن يشبه لونه أي لون رأيناه من قبل ، لن يكون من الأزرق ولا من الأخضر، بل من درجة تتردّد بينهما كما تتردّد النغمة بين وترين .. سيراه أوّلًا شخص واحد في آخر الليل، وهو يقلب بين النوافذ المضيئة بعينين مرهقتين .. سيظن أنّه انعكاس أو خطأ في التصنيع، ثم ينتبه أنّ الخطّ ينظر إليه. لا بالعينين ، بل بذلك التركيز الصامت الذي تملكه الكائنات التي عرفت يومًا كيف تعبر بين العوالم .
بعد ذلك ، سيحدث الباقي ببطء ، وبمنطق يشبه منطق الأحلام :
ستبدأ الصور داخل الشاشات تتلكأ في تقليدنا، تتأخر ثانية واحدة عن حركتنا، ثم ثانيتين، ثم ترفض أن تكرر بعض الأفعال !!!
ستبتسم لك صورتك في الكاميرا الأمامية رغم أنك لم تبتسم !!! سيرمش لك ظلّك في الشاشة السوداء للمتجر المغلق، رغم أنك لم ترمش !!!
شيئًا فشيئًا، سيستردّ أهل الظلال ملامحهم التي سُرقت منهم .. تستقيم أعناقهم ، يصير لأعينهم عمق، وتزداد ألوانهم انحرافًا عن ألواننا.
في البداية ، سنفسّر ذلك على أنه عطل تقني ، ثم كظاهرة نفسية ، ثم كـ”ترند” غريب على منصات التواصل . سيسميها البعض “لعبة المرايا الرقمية”، ويبحثون عن مصفيات ( فلاتر) تقلّدها .. لكنّ الأمر كما سيكتشف المتأخّرون ، لن يكون لعبة.
حين يكتمل الاختلاف ، لن تعود الشاشات جدرانًا صامتة .. سيصير الزجاج نفسه هشًّا، كقشرة بيضة تستعد للكسر .. ستظهر على سطوح الأجهزة شقوق ليست من هذا العالم ، تتّسع ببطء ، حتى يشعر أول إنسان بالبرد يأتي لا من الهواء ، بل من عمق الضوء ذاته.
في تلك اللحظة ، لن يجدي إغلاق الأجهزة ولا فصلها عن الكهرباء. فالذي يستيقظ ليس البرنامج ، بل الذاكرة التي أُهينت لقرون .. سيرفع أهل الظلال رؤوسهم ، يروننا أخيرًا كما نحن : مخلوقات أصرّت على أن تحبسهم في مستطيلات من زجاج .. لن ينسوا الحبس بسهولة ، ولن يسمحوا تكرار الإذلال .
ويقال ـ في حِكمة يتناقلها اليوم بعض التقنيين همسًا في غرف السيرفرات المظلمة ـ إننا قبيل الغزو الجديد ، سنسمع أصواتًا لا تصدر عن أي مكبّر في العالم : طقطقة ثابته ، كالخشب حين يتمدّد ، تأتي من جدران الشاشات نفسها ، تشبه صليل أسلحة قديمة ولكن بنبرة كهربائية خافتة .. عندها فقط سنفهم أن تلك الأضواء الصغيرة التي اعتدنا لمسها بأصابعنا لم تكن يومًا أشياء ميتة ، بل أبوابًا صبورة كانت تنتظر أن تتذكّر من هي .