الأخبار الشاملة والحقيقة الكاملة​

2026-03-31

12:02 صباحًا

أهم اللأخبار

2026-03-31 12:02 صباحًا

شاعر وقاص لم يعجزه العجز فاستنطق الأحرف إصرارا

01

عبدالله السعداوي

الكاتب الكبير محمد عقيلة العمامي قال : كان مسجى في فراشه لا شيء يتحرك منه سوى عينيه! فلقد أصيب بمرض نادر تسلط على أعصابه، أفقده السيطرة تدريجيا على أطرافه إلى أن شلها بالكامل! عندما قابلته لم تكن تتحرك سوى عينيه، عندها فقط توقف عن الكتابه ، أما قبلها كان يملي على ابنته ويكتب إبداعاته  .. الكاتب عبدالله السعداوي المتبسم رغم مرارة العجز .

الناقد عبد الحكيم المالكي قال عنه : «المرحوم عبد الله السعداوي ظاهرة أدبية خاصة ، رجل استطاع في زمن مرض عضال (جعله غير قادر على القيام بأي حركة) أن يكتب مجموعة قصصية وديوان شعري وكتاب سردي أقرب للسيرة. تجربة شديدة الخصوصية ودرس في قدرة الإنسان على مقاومة الآلام والتغلب على الظروف وقهرها.  

_ نقرأ بعضا للكاتب من قصة علوان الذي سرق النهر عن مجموعة الأديب عودة الديناصور ” حكايات الزمن البديل ” تقول الحكاية :

علوان شاب نحيف رشيق الحركة يقضي معظم وقته على ضفاف النهر الصغير هو مصدر الحياة للمدينة التي يسكنها علوان .. وليس لديها مصدر للمياه غيره .. ولا يعقل أن يشرب الناس مياها ملوثة .. ثم إن السمك سيموت إذا ألقينا المزيد من النفايات في هذا النهر الصغير الذي لا يحتمل عبث الناس وتهورهم .. لم يسمع أحد صيحات علوان ولا تحذيراته فكان يجلس حزينا كل يوم وقدماه مغمورتان في الماء وهو يفكر في مستقبل هذا النهر البائس ويتأملالأسماك الصغيرة وهي تناضل من أجل البقاء على قيد الحياة في هذه البيئة الملوثة .. في المساء كان علوان يعود إلى بيته مهموما ويقضي ليله في انتظار الصباح كي يخرج قبل طلوع الشمس ليتمشى على ضفاف النهر الذي أحب أن يراه متدفقا زاخرا نقيا يفيض بالخير الوفير ليروي الناس والشجر والحيوان .. يقصده المتنزهون ليقضوا وقتا جميلا على ضفافه وتحت أشجاره الوافرة ..

خرج علوان ذات صباح وفي نفسه هذا الحلم الجميل وعندما وصل إلى النهر وجده جافا لا ماء فيه وشم رائحة كريهة نتنه فركض بأقصى سرعته ليبلغ السلطات عن اختفاء النهر فاحتجز بتهمة سرقة النهر لأنه أول من بلغ عن اختفائه ولأنه شوهد عدة مرات في مكان الجريمة .

هذا هو من فقدته الساحة الإبداعية الثقافية في ليبيا في يوم في 23 / يوليو / 2006 بعد أعوام من العطاءات القيمة في القاص والشاعر عبدالله السعداوي، وهو المولولد في مدينة مصراتة 2 /5 /1949م ..  تعلم في مدارسها ولم يغادرها إلا حين اقام في بنغازي فترة دراسته الجامعية ، متخرجا من كلية الاقتصاد حيث تحصل على بكالوريوس إدارة الأعمال عام 1974 م .. لينخرط في ميدان العمل فاشتغل بشركة المختار للتأمين حتى العام 1980 م .. وفكر أن يستكمل دراسته بعد سنوات خبرة عملية ومن جديد رحل عن مدينته ليدرس في الولايات المتحدة الأمريكية ( جامعة أوكلاهوما ستي ) ومنها تحصل على ماجستير المحاسبة ليقفل عائدا لحضن مدينته عام 1995 م ويخوض عملا جديدا تابعا لشركة التأمين أيضا ولكنه هذه المرة أصبح مديرا عاما لشركة الاتحاد العربي لإعادة التأمين وكان مقر عمله في دمشق التي عاش فيها حتى العام 2003 م .

Extra 97

_ وقعت أعماله الأدبية ليس فقط تحت الكتابات النقدية بل وتحت الدراسة والتمحيص من قبل بحاث ودارسين ومنهم الرسالة البحثية التي قدمها الأستاذ عمر علي الباروني .. في كلية التربية جامعة مصراته تحت عنوان (( قصيدة خيرالديار لعبدالله السعداوي . دراسة سيميائية )) ويقول الباحث عن هذا بتلخيص إنه : يهدف هذا البحث إلى تتبع العلامات اللغوية الظاهرة، وما تحمله هذه العلامات من معانٍ ودلالات تشكل اللغة الأخرى غير التعبيرية المسموعة أو المرئية، وهو محط اهتمام الدرس اللغوي الحديث الذي ينتزع مكامن النصوص؛ فيكشف عن الجماليات الإبداعية على المستوى اللغوي المتلمَّس من دراسة وتحليل النص. وقد حمل البحث عنوان (قصيدة خير الديار للسعداوي- دراسة سيميائية)، وتأسس على تمهيد للتعريف بالسيميائية وبالشاعر عبد الله السعداوي، ومبحث أول لسيميائيات أقسام الكلام، وسيميائيات المعرب والمبني من الأسماء والأفعال، وسيميائيات علامات الإعراب، ومبحث آخر لسيميائيات المقولات اللغوية، وسيميائيات اللزوم والتعدي.

_ كما في كلية اللغات والترجمة بجامعة مصراته عام 2024 م .. قدم الباحث كامل محمد مصطفى الكرشيني بحثا مهما في شاعرية قصيدة ” رفيق البراح ” للسعداوي وقال : هذه الورقة البحثية دراسة مقاربة لمولدات الشاعرية في قصيدة من قصائد الشاعر الليبي عبدالله السعداوي وسعى الباحث في رصد هذه المولدات مستعينا بنظرية الشعرية لدى ياكبسون وتطبيقاتها لدى كمال أبوديب ومتوسلا بمقاربة ذلك بمنهج وصفي تحليلي .

Extra 64.jpg2 64

في دمشق أصابه المرض الذي أعجزه عن الحركة ولكنه لم يعجزه عن الكتابة والاستمرارية إذ ظل ينطق لسانه بما في مخيلته من أعمال شعرية وقصصية وتكتب مايسرد ابنته حتى توقف لسانه أيضا عن القول وظلت عيونه تعبر عن الألم والحزن وربما عن كثير مما يحتوي عقله المبدع من أفكار جديدة لم تر النور .. هذه الصورة الحزينة القوية في آن أظهرها الكاتب الكبير العمامي وعبر عن هذا قائلا :

” في مثل هذا اليوم منذ 14 سنة رحلت عنا شخصية قابلتها، أو بمعنى أدق التقيتها أول مرة في حياتي، منذ حوالي 15 عاما. كنت في مصراتة في مناسبة ثقافية، وحدثني صديقي الكاتب يوسف الغزال عنها، وأخذني لزيارتها في منزله. لم يخطر على بالي أن هذه الشخصية هي التي كتبت قصة «الشيخ شعلان» وقصيدة «حوار مع شبح صامت” ! كان مسجى في فراشه لا شيء يتحرك منه سوى عينيه ! فلقد أصيب بمرض نادر تسلط على أعصابه، أفقده السيطرة تدريجيا على أطرافه إلى أن شلها بالكامل ! عندما قابلته لم تكن تتحرك سوى عينيه، عندها فقط توقف عن الكتابه، أما قبلها كان يملي على ابنته ويكتب إبداعاته.

السعداوي بعد إصابته بالمرض رحل عن دمشق وعاد إلى مدينته مصراتة ووسد ثراها يوم رحيله الجمعة الموافق 23/6/2006 ووسد ثرى مصراتة في اليوم نفسه.

كتب عن مجموعته القصصية (عودة الديناصور) الأستاذ الناقد عبد الحكيم المالكي دراسة نقدية معتبره ظاهرة أدبية خاصة .

أترك القارئ لسيرة عذبة حزينة مؤثرة في أصحاب الهمم العالية للأديب الشاعر والقاص الراحل عبدالله السعداوي مع كلمات الدكتور علي فهمي خشيم والتي كتبها بتاريخ 15 / 3 / 2005 عن مجموعة السعداوي القصصية ” عودة الديناصور ” وفي الجزء الأخير منها حيث اعتبرت قراءة كاملة نقدية وثانية في قصص المجموعة من قبل الدكتور خشيم قال في ختامها :

Extra 175

” وكثيرة هي الأفكار والتداعيات التي تثيرها هذه المجموعة في الذهن وفي تصوري أن كل قصة ( قصيرة جدا ) منها يمكن أن تخضع للتحليل والتأمل وسبر الأغوار وإن البراعة التي كتبها بها عبدالله لتنبيء عن كاتب متمكن ذي خبرة واسعة بهذا الفن الصعب كما تنبيء عن ذكاء حاد يظهر في تلك (( اللقطة الفوتوغرافية )) المتقنة بزوايا ذات أبعاد وظلال موحية مثيرة للانتباه ..

لقد وجدت في هذه المجموعة وأنا أقرأها بشوق كبير متعة بالغة في لغتها وأسلوب عرضها وفي مراميها وغاياتها .. فضلا عن لذة التأمل في ما أقرأ سعيدا بما أقرا .. بلغة راقية حتى لأسمي بعض حكاياتها ” القصة القصيدة ” وليس قصة قصيرة .

عرفنا عبدالله السعداوي الشاعر الرقيق في ديوانه ” زهرة الصبار ” وها نحن نعرفه ونفرح به قاصا متميزا وممتازا في الوقت نفسه بارك الله عبدالله السعداوي بقدر ما أمتعنا وأسعدنا وأفرحنا باركه الله ألف مرة .”

“مؤرخ فنان رأى أن مؤالفة القبح تجمله في الأعين “

شاعر تمازج فنا فكان صاحب الإيقاعات المتداخلة

شارك المقالات:

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حاسبة العملة