تُعد فسيفساء الكنيسة الشرقية في قصر ليبيا واحدة من أبرز الشواهد الفنية على التداخل الحضاري في شمال أفريقيا خلال العصر البيزنطي، حيث يبرز ضمنها مشهد فريد للحورية كستاليا، جالسة على جرة يتدفق منها الماء بغزارة.
هذا المشهد لا يثير الانتباه بجماله الفني فحسب، بل يطرح تساؤلات عميقة حول دلالاته الرمزية وسبب وجود شخصية من الميثولوجيا الإغريقية داخل سياق كنسي مسيحي يعود إلى القرن السادس الميلادي.
وأوضح الأستاذ بكلية الأداب خالد الهدار في تدوينة له على فيسبوك أن كستاليا تُعرف في الميثولوجيا الإغريقية بأنها حورية مرتبطة بالإلهام والتطهر، إذ تحولت – وفق الأسطورة – إلى نبع مقدس عند سفح جبل بارناسوس، وأصبح هذا النبع في منطقة دلفي مركزاً روحياً مهماً، يُستخدم للتطهر قبل الطقوس الدينية، كما ارتبط بالإبداع الشعري والإلهام. ومع مرور الزمن، تحوّل اسم كستاليا إلى رمز أدبي للنقاء الذهني ومصدر الإبداع، وهو ما منحها مكانة خاصة في التراث الثقافي القديم.


حضور رمزي داخل سياق كنسي
وجود كستاليا في فسيفساء قصر ليبيا لم يكن عشوائياً، بل جاء ضمن تكوين فني متكامل، حيث تظهر إلى جانبها لوحات تمثل أنهار الجنة الأربعة، وهي عناصر ذات دلالة مسيحية واضحة. ويكشف هذا الجمع بين الرموز الوثنية والمسيحية عن محاولة فنية وفكرية لإعادة توظيف عناصر التراث القديم داخل إطار ديني جديد، يعكس تحولات تلك المرحلة التاريخية.
وتظهر كستاليا في اللوحة بوضعية فنية لافتة، شبه متكئة على جرة ماء كبيرة، يتدفق منها الماء كالشلال، بينما يلتف جسدها في حركة ديناميكية، وتحيط بها عناصر طبيعية مثل الأشجار المثمرة.
كما يظهر اسمها منقوشاً باليونانية بجانبها، ما يؤكد هويتها بشكل واضح. إلا أن هذا التصوير، خاصة مع طابع العري المرتبط بها، يطرح إشكالية تفسيرية في سياق كنيسة بيزنطية محافظة.

تفسيرات متعددة بين الفن والدين
اختلفت آراء الباحثين حول تفسير هذا المشهد، حيث اعتبره البعض مجرد تقليد فني لنماذج جاهزة كانت متداولة بين الحرفيين في ذلك العصر، دون دلالات دينية عميقة.
في المقابل، رأى آخرون أن اللوحة تمثل مركز العالم في سياق الخلق، وأن الشجرة المجاورة للحورية ترمز إلى “شجرة الحياة”، ما يمنح العمل بعداً رمزياً أوسع.
كما ذهب فريق ثالث إلى تفسير المشهد بوصفه تجسيداً لانتصار المسيحية على الوثنية، معتبرين أن وجود أنهار الجنة حول كستاليا يرمز إلى إسكات الوحي الوثني أو احتوائه داخل الإطار المسيحي، بينما طوّر باحثون آخرون هذه الفكرة، معتبرين أن النبع الوثني لم يُهزم فقط، بل “تحوّل” واكتسب دلالات مسيحية جديدة، في عملية إعادة تفسير رمزي للتراث القديم.
كستاليا كرمز للمعمودية والتحول الروحي
من أبرز التفسيرات الحديثة، ما يربط بين كستاليا وطقوس المعمودية في المسيحية المبكرة. فبدلاً من النظر إليها كرمز وثني منبوذ، يرى بعض الباحثين أنها تمثل نبعاً تم “تعميده” وإعادة توظيفه في سياق مسيحي.
ويعزز هذا الطرح مشهد تدفق المياه بغزارة من الجرة، ما يشير إلى دورها كمصدر للحياة والتطهر، وهو مفهوم يتقاطع مع طقوس المعمودية.
كما يدعم هذا التفسير الربط بين عري كستاليا وطقوس التعميد القديمة، حيث كان العري يرمز إلى الولادة الجديدة والتجرد من الخطايا.
وقد ظهرت مثل هذه الرمزية في مواقع مسيحية أخرى في المنطقة، ما يعزز فرضية أن تصوير كستاليا لم يكن غريباً عن السياق الديني، بل جزءاً من لغة رمزية مشتركة.
جسر حضاري بين الماضي والحاضر
في ضوء هذه القراءات، يمكن فهم كستاليا في قصر ليبيا باعتبارها جسراً رمزياً بين عالمين؛ عالم الميثولوجيا الإغريقية وعالم المسيحية البيزنطية، فهي ليست مجرد عنصر زخرفي أو بقايا من تراث وثني، بل مثال على كيفية استيعاب الثقافات الجديدة للموروث القديم وإعادة صياغته بما يتناسب مع رؤيتها الدينية والفكرية.
وتبقى هذه الفسيفساء شاهداً على مرحلة تاريخية غنية بالتفاعل الحضاري، حيث لم تُمحَ الرموز القديمة، بل أُعيد تفسيرها ومنحها معانٍ جديدة، لتصبح جزءاً من خطاب ديني وثقافي أكثر شمولاً.
ومن هنا، تظل كستاليا في قصر ليبيا لغزاً فنياً مفتوحاً، يعكس عمق التحولات التي شهدها العالم القديم، ويمنح الباحثين مجالاً واسعاً للتأمل والتحليل.
فسيفساء قصر ليبيا البيزنطي توثق أنهار الجنة الأربعة بأسلوب فني وروحي فريد
لوحات فسيفساء نادرة وأكثر من 77 تمثال…متحف قصر ليبيا تحفة تاريخية مُهملة يحتاج لصيانة عاجلة
الهدار: منحوتة الحورية قوريني تجوب العالم وتُحرم من موطنها الأصلي