الأخبار الشاملة والحقيقة الكاملة​

2026-03-31

3:05 مساءً

أهم اللأخبار

2026-03-31 3:05 مساءً

من فائض في الأطباء إلى رافعة وطنية

من فائض في الأطباء إلى رافعة وطنية

كيف يمكن لليبيا أن تصدّر كفاءاتها الطبية بدل أن تهدرها؟

بقلم: أ. د. عبد القادر مصباح الأمين

في الوقت الذي تعاني فيه دول صناعية كبرى مثل ألمانيا وبريطانيا وكندا من نقصٍ حاد في الكوادر الطبية، تقف ليبيا أمام مفارقة مؤلمة: عدد متزايد من الأطباء دون مسار مهني واضح، تدريب محدود، وفرص عمل لا تواكب سنوات الدراسة الطويلة. هذه المفارقة لا تعبّر عن فشل الأطباء، بل عن غياب سياسة وطنية لإدارة رأس المال البشري الطبي.

السؤال الآن لم يعد: هل لدينا فائض في الأطباء؟
بل أصبح: كيف نحول هذا الفائض إلى قوة وطنية منتجة؟

الهجرة الطبية: من مشكلة إلى فرصة

الهجرة الطبية ظاهرة عالمية. الجديد ليس في خروج الأطباء، بل في طريقة إدارة هذا الخروج. في ليبيا، تتم الهجرة الطبية اليوم بشكل فردي، عشوائي، ومكلف للطبيب والدولة معًا، دون أي عائد منظم على الوطن. النتيجة:

  • الدولة تخسر كلفة التعليم
  • الطبيب يتحمل عبئًا نفسيًا وماليًا
  • المنظومة الصحية لا تستفيد من الخبرات لاحقًا

بينما تُظهر تجارب دول أخرى أن الهجرة المنظمة يمكن أن تكون أداة تنمية لا استنزافًا.

الدولة كمنظِّم لا كمتفرج

التحول المطلوب يبدأ من إقرار مبدأ بسيط:

الطبيب مورد وطني استراتيجي، وليس شأناً فردياً صرفاً.

وهذا يستدعي انتقال الدولة من موقع المتفرج إلى موقع المنظِّم والشريك، عبر إنشاء إطار مؤسسي وطني يتولى:

  • حصر الفائض الحقيقي من الأطباء
  • تحديد التخصصات القابلة للتصدير دون الإضرار بالاحتياج المحلي
  • التفاوض مع الدول التي تعاني نقصًا في الكوادر الطبية
  • حماية حقوق الطبيب الليبي في الخارج

لماذا العالم يحتاج الطبيب الليبي؟

الدول الصناعية تواجه ثلاث أزمات متزامنة:

  1. شيخوخة السكان
  2. عزوف الشباب المحلي عن المهن الطبية الشاقة
  3. توسّع الخدمات الصحية

ألمانيا وحدها تحتاج عشرات الآلاف من الأطباء خلال العقد القادم. دول الخليج توسّع منظوماتها الصحية بسرعة. بريطانيا وكندا تعتمد بشكل متزايد على الأطباء الأجانب. السوق موجود، والطلب حقيقي، والمنافسة على الكفاءات شرسة.

نماذج دولية ملهمة

ليبيا ليست مطالبة باختراع العجلة:

  • الفلبين: حوّلت تصدير الكوادر الصحية إلى سياسة دولة، وأصبحت تحويلات العاملين في الخارج ركيزة اقتصادية.
  • كوبا: استخدمت الأطباء كأداة قوة ناعمة ودخلٍ سيادي.
  • مصر والمغرب: رغم التحديات، طورتا مسارات شبه منظمة لإيفاد الأطباء، خصوصًا نحو أوروبا والخليج.

الفرق أن هذه الدول قررت أن تدير الهجرة بدل أن تطاردها.

العائد على ليبيا: أكثر من المال

الحديث عن العائد لا يجب أن يُختزل في التحويلات المالية فقط، رغم أهميتها. العائد الحقيقي يشمل:

  • رفع كفاءة الطبيب الليبي عبر الاحتكاك بأنظمة صحية متقدمة
  • نقل المعرفة والخبرة عند العودة
  • تحسين سمعة الطبيب الليبي دوليًا
  • خلق شبكات مهنية دولية تخدم ليبيا مستقبلًا

الهجرة المنظمة يمكن أن تكون استثمارًا طويل الأمد في جودة الطب داخل ليبيا نفسها.

المخاوف المشروعة… والحلول

الاعتراض الشائع هو الخوف من إفراغ البلاد من أطبائها. هذا التخوف مشروع، لكن الحل ليس الإغلاق بل التنظيم:

  • تحديد سقوف للإيفاد
  • استثناء التخصصات الحرجة
  • ربط الإيفاد بعقود زمنية
  • تشجيع العودة الجزئية أو النهائية

بهذا، نضمن التوازن بين الداخل والخارج.

الخلاصة: خيار استراتيجي لا ترف سياسي

ليبيا تقف أمام خيارين:

  1. الاستمرار في هدر طاقاتها الطبية بين البطالة والهجرة الفردية.
  2. أو تبني سياسة وطنية ذكية تجعل من الطبيب الليبي سفيرًا مهنيًا وموردًا استراتيجيًا.

في عالم يتنافس على العقول قبل الموارد، أخطر ما يمكن أن تفعله الدول هو ترك كفاءاتها بلا سياسة.

الطبيب الليبي ليس فائضًا
بل فرصة لم تُستثمر بعد.

شارك المقالات:

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حاسبة العملة