الأخبار الشاملة والحقيقة الكاملة​

2026-04-02

3:10 مساءً

أهم اللأخبار

2026-04-02 3:10 مساءً

علي

مجد العماري

مجد العماري

لم أكن أعرف أن للجنوب صوتاً حتى ذلك اليوم. كنت أظن أن الأصوات تصنعها الحناجر، وأنها تموت حين تموت الأجساد. لكنني اكتشفت أن للجنوب صوتاً أعمق من الأغاني، وأبقى من الزغاريد. صوت لا يسمع بالأذن، بل يرى بالعين، ويلمس بالروح.

كان عمي أبو علي يقول لي وأنا صغير: “انظر إلى وجهه يا بني، ستقرأ فيه ما لا تقرؤه في الكتب.” وكنت أنظر إلى علي، فلا أرى غير وجه عادي لرجل عادي. لكنني كنت صغيراً، والعيون الصغيرة لا ترى إلا ما هو كبير.

كبرت ، وبدأت أفهم.

علي ليس اسماً، علي مكان. علي حكاية. علي ذاكرة تمشي على قدمين.

في جنوبنا، حيث تتنفس بيوت الطين عبق السنين، وحيث النهر يجري كأنه يروي قصيدة قديمة، كان علي كالنخلة التي لا تسأل: لماذا أنا هنا؟ بل تقول: أنا هنا لأن الجذور تعرف طريقها إلى عمق الأرض.

أتذكر ليلة التحرير. كانت الزغاريد تتصاعد من كل بيت، وكأن الأرض تطلق سراح أنفاسها المحبوسة. النساء علت أصواتهن حتى كادت تبلغ السماء، والرجال هتفوا حتى خشينا أن تنشق الأرض من تحت أقدامنا. وفي قلب ذلك العرس الكبير، كان علي واقفاً على تلّة صغيرة، لا يهتف، لا يزغرد، لا يرقص. كان صامتاً، لكن صمته كان أعلى من كل الأصوات.

تلك اللحظة فهمت معنى قول عمي: “صوت الجنوب”.

لأن صوت الجنوب ليس في هتافات النصر فقط، بل في الصمت الذي سبق النصر. في تلك السنوات الطويلة التي كان فيها علي يعمل أرضه، يروي نخله، يصلح بيته، كأن شيئاً لم يكن. لكن عينيه كانتا تقولان كل شيء. عيناه كانتا تخبئان وطناً كاملاً تحت رمشيهما.

الاحتلال مرّ من قرانا، كما تمر السحابة السوداء. رأيناه بعيوننا، وشعرنا بثقله على صدورنا. وفي تلك الأيام، كانت صلة الرحم عندنا تصبح أقوى من الحديد. كنا نزور بعضنا ليس فرحاً، بل لنطمئن أن الآخر لا يزال حياً. وكان علي في كل زيارة، وفي كل مجلس، حاضراً مثل ضوء القمر في ليلة الشتاء.

أتذكر تلك الليلة التي قطع فيها الاحتلال النهر، وحول مجراه إلى دم. كان الدم يسيل بين الحجارة، والنهر الذي كان يغني بالأمس، صار يئن. وقفنا على الضفة ننظر، لا نملك غير الدموع. لكن علي نزل إلى الماء. نزل حافياً، وبدأ يجمع الحجارة التي تلوثت بالدم، وينظفها واحدة واحدة. لم يقل شيئاً. لم يبك. لم يصرخ. كان عمله هو صوته، وكان صوته هو هوية الجنوب كله.

قرى التماس التي كانت تفصلنا عن العدو، كانت قرى من صبر. أهلها كانوا يعيشون على حافة الموت، لكنهم كانوا يبتسمون كأنهم في حفلة عرس . وكنا نقول : كيف يصبر هؤلاء؟

 ثم ننظر إلى علي فنفهم: هذا هو الجنوب. هذا هو الصبر الذي لا ينضب، والعناد الذي لا يلين.

طيبة أهلنا لم تكن كرم ضيافة فقط . كانت أكثر من ذلك. كانت طيبة في زمن لا يستحق الطيبة. كانت اصرار إخوتنا في التمسك بالأرض، في رفض الرحيل، في زرع القمح رغم أن المحتل قد يعود قبل الحصاد . وهذه الطيبة وهذا العناد ،  كنا نراهما في وجه علي.

وجه علي كان كخارطة الجنوب. كل تجاعيده كانت تحكي قصة. كل غمازة كانت تخبئ ذكرى. حين ينظر إليك، تشعر أنه يرى ما لا يراه الآخرون. أنه يقرأ خلف عينيك ما لا تقوله شفتاك.

من علي تعلمت أن الحكاية ليست في الأحداث الكبيرة ، بل في التفاصيل الصغيرة . أن المفردات الحقيقية ليست في القواميس، بل في نظرة العين، وابتسامة الشفاه، وحركة اليد حين تودع مسافراً.

كان إعلامنا نحن ليس قنوات فضائية ولا إذاعات. كان إعلامنا علي . هو من كان ينقل الخبر، ليس بكلمة ، بل بصمته حين يكون الخبر سيئاً، وبنظرة حين يكون الخبر فرحاً. كنا ننظر إلى وجهه فنعرف : اليوم ننام مطمئنين ، أم الليلة سهر طويل .

وعلمنا الأصفر والأحمر . رأيناه يحمل العلمين معاً ، كأنه يقول: الوطن واحد، والأرض واحدة، والدم واحد. لا فرق بين هذا وذاك، فالكل للكل.

ومن علي كان فرحنا. حين يشرق وجهه بالضحك، كنا نعرف أن هناك غصن زيتون أثمر، أو أن هناك عريساً دخل على عروسه، أو أن طفلاً جديداً أضاء بيتاً من بيوت القرية.

ومن علي كان دمعنا. حين نراه يبكي، كنا نبكي معه. لا نسأل لماذا. لأن دموع علي كانت مثل مطر نيسان: تنزل حين تحتاج الأرض إلى الحياة.

أتذكر تلك العصرية التي جاء فيها خبر استشهاد ابن الجيران. كان الجميع يبكون ، والنساء يصرخن ، والرجال يتماسكون بصعوبة. دخل علي إلى بيت الجيران، جلس إلى جوار الأب الثاكل، لم يقل شيئاً. جلس ساعة كاملة. حين خرج، كان الأب يمسح دموعه، وكانت زغاريد العزاء تعلو من البيت. ليس زغاريد فرح، بل زغاريد تحدٍ. زغاريد تقول: نحن باقون، مهما أخذتم منا.

في تلك اللحظة ، عرفت أن العزاء ليس في الكلمات ، بل في الوجود. وأن علي لم يكن رجلاً، كان حضوراً. حضور الجنوب كله في جسد واحد.

مرت الأيام ، وكبرت أكثر، وغادرت القرية إلى المدينة. حملت معي كتباً وتعلمت فلسفات، قرأت ميخائيل وجبران، وتعلمت أن أبحث عن المعنى خلف المادة. لكنني كلما قرأت كلمة عن “الوجود” أو “الإنسان” أو ” الوطن ” ، كان وجه علي يظهر أمامي . كان هو الترجمة الحقيقية لكل تلك المفاهيم .

في المدينة، رأيت عالماً آخر. عالماً تعلو فيه الأصوات ولا يسمع أحد أحداً. عالماً تتسابق فيه الصور ولا يرى أحد شيئاً. اشتقت إلى صمت علي الذي كان أبلغ من كل الكتب، وإلى نظراته التي كانت أغنى من كل الصور.

عدت إلى القرية بعد غياب طويل. كان علي على حاله. شيب شعره، وانحنى ظهره، لكن عينيه بقيتا كما هما.

نظرت إليه طويلاً. في تجاعيد وجهه رأيت تاريخ الجنوب كله. في عينيه رأيت كل الذين رحلوا وكل الذين بقوا. في صمته سمعت كل الأغاني التي لم تغنَّ بعد، وكل الزغاريد التي ستعلن نصراً قادماً.

وعرفت عندها أن علي ليس رجلاً. علي فكرة تمشي على الأرض. علي أمل يتجسد في جسد. علي هو الجنوب نفسه، الذي لا يموت، ولا يهرم، ولا يخاف.

في المساء، جلست عند النهر. كان الماء يجري كما كان يجري وأنا صغير. تذكرت الدم الذي جرى فيه ذات يوم، وتذكرت علي ينزل حافياً ينظف الحجارة. تذكرت الزغاريد التي علت ليلة التحرير، وتذكرت صمته الذي كان أعلى منها.

رأيت وجهه يطل من خلف الأشجار . أو ربما كانت الأشجار هي التي تطل من خلف وجهه. لم أعد أميز. في الجنوب، كل شيء يشبه كل شيء. الأرض تشبه السماء، والنهر يشبه الدم، وعلي يشبهنا كلنا.

وقفت لأعود إلى البيت. وقبل أن أخطو، سمعت صوتاً. ليس صوت النهر، ولا صوت الريح، ولا صوت الحصى تحت قدمي. كان صوتاً آخر. صوتاً عميقاً، قديماً، أبدياً.

كان صوت الجنوب.

كان صوت علي.

اللفظ والمعنى

وجوه الزمن المتشظي

أبراج القيد

شارك المقالات:

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حاسبة العملة

Skip to content