في مشهد يعكس تعقيدات التداخل بين الأزمات البيئية والتوترات الجيوسياسية، تتواصل تطورات حادثة ناقلة الغاز الروسية المنكوبة “أركتيك ميتاغاز” قبالة السواحل الليبية، وسط حالة من الاستنفار الرسمي لمواجهة تداعيات محتملة قد تهدد البيئة البحرية والمنشآت الحيوية. وتتحرك السلطات الليبية على عدة مستويات لاحتواء الموقف، في ظل تحديات ميدانية صعبة فرضتها الأحوال الجوية واستمرار انجراف الناقلة في عرض البحر.
غرفة طوارئ
أعلنت رئاسة أركان القوات البحرية التابعة لـ”القيادة العامة” تشكيل غرفة طوارئ بإشراف رئيسها شعيب الصابر، لمتابعة مسار الناقلة عن كثب. وتهدف هذه الخطوة إلى مراقبة اتجاه السفينة وتقييم المخاطر المحتملة، خاصة في حال اقترابها من السواحل أو المنشآت النفطية.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار حالة تأهب قصوى، حيث تسعى الجهات المعنية إلى الاستعداد لأي سيناريو طارئ قد يتطلب تدخلًا سريعًا، في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار في البحر.
فشل المحاولات
في موازاة ذلك، أكدت مصلحة الموانئ والنقل البحري فشل محاولات سحب الناقلة، نتيجة الرياح القوية وارتفاع الأمواج، ما أدى إلى فقدان السيطرة عليها بشكل كامل. وتشير المعطيات إلى أن الناقلة تبعد حاليًا نحو 105 أميال بحرية شمال شرق مصراتة، دون إدخالها إلى أي ميناء، رغم خطط سابقة كانت تستهدف تفريغ حمولتها.
ويعكس هذا الفشل حجم التحديات التي تواجهها فرق الإنقاذ، خاصة في ظل الطبيعة الحساسة لشحنة الغاز، التي تزيد من مخاطر وقوع تسرب أو انفجار جديد.
مخاوف بيئية
تتصاعد المخاوف من احتمال وقوع كارثة بيئية، في حال استمرار انجراف الناقلة أو تعرضها لأضرار إضافية. فالمنطقة التي تتحرك فيها السفينة تُعد من البيئات البحرية المهمة، سواء من حيث الثروة السمكية أو قربها من منشآت نفطية استراتيجية.
ويؤكد مختصون أن أي تسرب قد يؤدي إلى أضرار طويلة الأمد على النظام البيئي البحري، ما يجعل من احتواء الأزمة أولوية قصوى للسلطات الليبية.
أبعاد دولية
وفي تطور لافت، كشف تحقيق أجرته إذاعة فرنسا الدولية عن معطيات تشير إلى احتمال تورط الجيش الأوكراني في استهداف الناقلة خلال مارس الماضي، انطلاقًا من الساحل الغربي الليبي، بالقرب من مجمع مليتة النفطي.
ويضع هذا الطرح الحادثة ضمن سياق الصراع غير المعلن بين روسيا وأوكرانيا، الذي يمتد تأثيره إلى مناطق نفوذ متعددة، من بينها ليبيا، في ظل تنافس متزايد على المصالح الاقتصادية والعسكرية.
ناقلة مهجورة
وكانت الناقلة “أركتيك ميتاغاز” قد تعرضت لانفجارات وحريق مطلع مارس الماضي، ما أدى إلى إجلاء طاقمها وتركها مهجورة في عرض البحر. ومنذ ذلك الحين، أُدرجت ضمن ما يُعرف بـ”الأسطول الخفي” الروسي، وهو مصطلح يُطلق على السفن التي تعمل خارج الأطر التنظيمية التقليدية.
وتزيد هذه الخلفية من تعقيد الأزمة، حيث يصعب التعامل مع هذا النوع من السفن، سواء من الناحية القانونية أو التقنية.
سباق مع الزمن
في ظل هذه المعطيات، تسابق السلطات الليبية الزمن للسيطرة على الناقلة وتفادي أي سيناريو كارثي. وتبرز الحاجة إلى تنسيق محلي ودولي واسع، إلى جانب دعم فني متخصص، لمواجهة التحديات المتزايدة التي تفرضها هذه الأزمة.
وبين المخاوف البيئية والتجاذبات الدولية، تبقى حادثة “أركتيك ميتاغاز” اختبارًا حقيقيًا لقدرة ليبيا على إدارة الأزمات المركبة، في وقت تتزايد فيه الرهانات على نجاح الجهود المبذولة لتفادي تداعيات قد تكون باهظة الكلفة على المدى القريب والبعيد.