خالد محمود
يُقال إن قوانين الفيزياء والرياضيات ثابتة لا تتغير، ولكن يبدو أن هذه القوانين “تتحشم” وتتوقف عن العمل عند حدود الدولة الليبية. هنا نلتقي بـ “المواطن المحارب”، ذاك الكائن العجيب الذي وضعته الظروف في “معجنة” الغلاء، فخرج منها ليس فقط صامداً، بل ومحافظاً على “برستيجه” الاجتماعي رغم أنوف خبراء الاقتصاد في البنك الدولي.
معادلة الـ 2000 والـ 6000: لغز القرن
حسابياً، الأمر لا يستقيم. مواطن دخله (المرتب + منحة الأولاد + كدحة الإضافي) يصل لـ 2000 دينار، لكنك تجده في نهاية الشهر قد أنفق 6000 دينار. كيف؟ لا تسأل!
لو سألت أكبر بروفيسور في “أكسفورد” عن هذه الفجوة، لرمى شهاداته في سلة المهملات. لكن الليبي لديه الرد الجاهز، ردٌّ يجمع بين الإيمان العميق والغموض التكتيكي:
“مستورة.. نزقو فيها وماشية!”
هذه الـ “ماشية” هي المحرك النفاث الذي يدفع عجلة الحياة رغم انسداد الأفق. هي مزيج سحري من “الجمعيات”، “السلف”، “البيّاع اللي يصبر عليك”، ودعوات الوالدين التي تعمل كدرع مضاد لصواريخ الأسعار المحلقة.
طعمات وسقوات.. وقود المحارب
المواطن الليبي غريب الأطوار فعلاً؛ فهو يعيش في “دوامة” قد تغوص به للقاع، لكنه يطفو فجأة بفضل شعار “اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب”. يعتمد في حربه على “الطعمات والسقوات” وعمل الخير، وكأن هناك “رصيداً خفياً” لا تراه المنظومة المصرفية، لكنه يظهر وقت الشدة ليسدد فواتير اللحم والخضرة والإنترنت.
اللحم على حله” vs “الطبقة المسحوقة”
بينما يصارع “المحارب” لتوفير الحد الأدنى، هناك كوكب آخر يعيش فيه أصحاب “اللحم على حله”. هؤلاء الذين يقطعون اللحم بحجم “الهيدروليك” ليتناسب مع مقامهم الاجتماعي.
نحن ندعي أننا مجتمع لا يعترف بالطبقية لأننا نأكل في “قصعة” واحدة في المناسبات، لكن الحقيقة أن “الحفرة” بين الطبقات بدأت تتسع وتتحول إلى خندق. وإذا لم تُطمر هذه الحفرة بسياسات اقتصادية حقيقية، فقد نجد أنفسنا قريباً أمام عادات وتقاليد لا تشبهنا، حيث “المسحوق” لا يجد مكاناً حتى بجانب القصعة.
النفط.. بيضنا كله في سلة واحدة
أكبر سخرية في قدرنا الاقتصادي هي فكرة “الدولة النفطية”. أن نعتمد على برميل يرتفع وينخفض بينما نحن جالسون ننتظر “السيولة”، هو قمة العبث. المسؤول الذي لا يرى ضرورة لتنويع مصادر الدخل ودعم المشاريع الصغرى، كمن يقود سفينة في بحر هائج ويصرخ: “لا تقلقوا، لدينا مخزون من الكبريت!”.
المواطن الليبي ليس مجرد شخص يبحث عن لقمة العيش، هو “فنان هروب” من الواقع، ومحارب صلب يواجه مارد الغلاء بأسلحة بدائية لكنها فعالة (التوكل والستيرة). ولكن، إلى متى ستظل “البركة” وحدها هي خطة الدولة الاقتصادية؟