فوزية بريون
يفتقد تدريس الأدب في قاعات التحصيل الجامعي – شعراً كان أم نثراً – إلى تلك الروح المبجلة التي تحادي القصيدة عروساً تجلب معها الجمال والدهشة والانبهار .. وتتلبس القصة أو القطعة الأدبية أياً كان جنسها، فترفل في خمائل اللغة المتشابكة لتتسلل إلى حنايا النفوس معنى وصياغة ودلالات.. وتفتقد مفردات مناهجنا الأدبية – في عصورها المختلفة – إلى الوسائل التي تمكن الطالب من معايشة ذلك النبض الحي الذي قهر الزمن ليبقي طازجاً ومعاصراً ومعبراً عن العيش والمكابد.
لا يلزمنا القول بأن الأساس اللغوي والأدبي للطالب “المتخصص” هش وضعيف منذ المراحل الدراسية المبكرة.. كما لا يلزمنا القول بأن الأستاذ الجامعي غير مسؤول عن ذلك وإن كان يقاسي من جرائه. ولكن يلزمنا القول، بلا شك، بأن هذا الأستاذ ملزم بالتفكير في الكيفية التي يتمكن بها من أن يفك نفوس طلابه من عقالها ، وذائقتهم من سطحيتها ، وان يداويهم بالتي كانت هي الداء ، أي أن يعالج ضحالة ذوقهم الأدبي بالنصوص الأدبية نفسها ، أي بالنصوص الممتازة التي يسهل الوقوف عندها تحليلاً واكتشافاً ومقارنة ، والتي يستمتع بها أثناء ذلك من يتوفر لديه الحد الأدنى من التواصل الأدبي مع النصوص ، بحيث لا يجد الأستاذ نفسه متورطاً في قراءة النص قراءة لغوية وإلقائية صحيحة ، حتى يتفادى أخطاء القراءة وسوء الإلقاء .. ثم متورطاً مرة أخرى في الوقوف عند صور النص وصيغه ودلالاته دون أن يحرك الطالب ساكناً، متفادياً بدوره المجازفة بالتفكير والتعليق .


وبالتجربة فإن هذا في حد ذاته على درجة عالية من الصعوبة، بسبب انعدام التجاوب مع جهد الأستاذ !!!
إن العامل الذي يعطل محاولات تنمية الذائقة الأدبية في مناهج الأدب عموماً هو ذلك الخلط المعوق بين تاريخ الأدب والنصوص الأدبية. وهو ما يؤدي إلى التركيز على المراحل التاريخية والعوامل الفكرية والسياسية والحضارية التي أوجدت التيارات والمدارس والحركات، وهو ما يشكل بلا شك خلفية تنظيرية هامة لا مناص من أن يتزود بها الطالب المتخصص.. لكن ذلك يؤدي، من قبل الطالب والأستاذ معاً، إلى التركيز على الحقائق بحيث تتحول مادة الأدب – شعراً ونثراً – إلى نوع من التحصيل الموضوعي البحت، البعيد عن المناخات الفلسفية والروحية، فلا يلمس ذلك الأدب مخيلة الطالب، ولا يحرك عواطفه، ولا يولد عنده تلك المتعة الفريدة التي يختص بها الأدب والفن !


تمر الفصول الدراسية الواحد بعد الآخر، وحين يقرر الأستاذ أن يغير استراتيجيته التعليمية ليحرك سواكن النفوس، ورواكد العقول – دون الإخلال بالمنهج – فإنه يكتشف صعوبة ذلك حينما يجد نفسه متلبساً قسمات التاريخ الصارمة.. وبالرغم من ان الدرس الأدبي، كما الدرس اللغوي والنقدي، يعاني أزمة حقيقية إذا قسنا مستوى خريجينا.. وبالرغم من أن هذه الأزمة لا تقبل الحلول الفردية والمحاولات التلقائية ، فإنني أرى أن الخطوة الأولى التي يجب أن تتخذ هي استحداث مادة للتذوق الأدبي ، يتعرض فيها الطالب لقراءة ومقاربة نصوص من أجناس أدبية متعددة ، وعصور تاريخية مختلفة ، بحيث يكون الدرس التاريخي أو النظري الذي تركز عليه المناهج الحالية مجرد وسيلة إضاءة تساعد على وضع تلك النصوص في سياقها الفني والحضاري.
الموضوع إلى أن يحل لتفادي مزيد من التفكيك .. يجب أن يبقى دائما مطروحا للنقاش من قبل الأساتذة ، الذين لا شك يشعرون بالإحباط ، مثلي، من الطريقة التي يتم بها تناول النصوص الأدبية في المرحلة الجامعية.