الناير اليعقوبي
على مدى عقد ونصف كانت الإرادة الوطنية رهينة للتدخلات الأجنبية الممزوجة بسكر الديمقراطية، إلا أن قرار مجلس النواب – مؤخرًا – باستكمال المقاعد الشاغرة في مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتخصيص ميزانية خالصة لها، جاء نصلا قطع حبال التبعية المادية واللوجستية التي حورت وحادت بالاستحقاقات الوطنية نحو جُرف حاد عمّق ومدّد الأزمة.
سيان بالحساب أو السياسة، وبكليهما معا يُقرأ قرار البرلمان ببساطة.. إن ضخ ميزانية 210 ملايين دينار في شريان المفوضية هو إعلان صريح عن فك الارتباط بمنح المانحين الذين وظفوا الدعم الفني والمساندة كظفرة في العين تحجب الرؤية عن حجم هشاشة المشهد الليبي وتدفعه في اتجاه يناغم أطماعهم ويستجيب لبواطن مطابخهم السياسية.
إن اعتماد القرار ونشره في الجريدة الرسمية هو تحصين قانوني وسيادي لمؤسسة أُريد لها أن تبقى مُعاقة أو مُعلقة – على أقل تقدير – في فضاء التجاذبات المُفتعلة من قبل شُخوص هُلامية كبلت شطحاتها كما نزواتها البلاد لسنوات عجاف.
وليس تملقا لمجلس النواب – رئيسًا وأعضاءً – كما لسنا غافلين عن أوجه تقصيره وقصوره إلا أن خطوته أعادت الهيبة التشريعية إلى منصة الوطن، مبرهنًة على أن تجاوز حالة الانسداد السياسي لا يتطلب ضوءا أخضرا من الخارج، بقدر ما يستوجب جرأةً تقطع دابر التردد في الداخل.
وما تبديه البعثة الأممية من “قلق ” متى ما رأت لزوما لذلك وحاجتها إليه هو حُجة قاطعة على أن الفعل الوطني الصرف بات يزعج من اعتادوا إدارة الأزمة الليبية بتقنية ” التقطير ” ووفق مسارات لا أفق لها.
هذه البعثة وبكافة نُسخها ومُمثليها ما فتئت توصم الإجراءات السيادية ب “الأحادية” بهدف الاسترسال في مسلسل ” العسل المجنون ” الذي يجرعه المجتمع الدولي لكامل الليبيين منذ أن غرز أنيابه في جسد الوطن الخائر.
وردا على مقاسات البعثة المُحددة التي لا تحيد عنها !!، كيف يستقيم وصف ممارسة المؤسسات السيادية لاختصاصاتها بالانفراد، بينما يُراد للقوى الوطنية الرضوخ لواقع التآكل المؤسسي الذي لا يخدم إلا سماسرة الأزمات وساسة الإملاءات؟!!
إن واقع الحال يفرض الالتفاف حول كل خطوة تمنح المؤسسات الليبية رئة وطنية خالصة للتنفس، والمفوضية اليوم، بتركيبتها المُكتملة وغطائها المالي المُستقل أضحت مُحصنة، وهو ما يقطع الطريق أمام مُزايدات تعمل على تمييع الاستحقاق الانتخابي وتمديد أمد الانسداد.
وبعد.. إن حك جلد الوطن بأظافر أبنائه يبدأ باستقلالية الجهات السيادية، وتأمين ميزانياتها، وما أقدم عليه مجلس النواب هو رد لاعتبار الإرادة الوطنية، يضع الجميع أمام مسؤوليتهم التاريخية لطي صفحة الوصاية وليكون صندوق الاقتراع ليبياً بامتياز.