مجد العماري
كان يعرف أن تلك الدقائق العشر ستلاحقه إلى الأبد. كان يعرف ذلك حتى قبل أن تبدأ. هناك أشياء تشعر بها بالعظام، برائحة الهواء، بطريقة صمت العصافير فجأة.
جلس على كرسيه الخشبي قرب النافذة، كما يفعل كل صباح منذ أربعين سنة. يده اليسرى تحمل فنجان القهوة، واليمنى ترتعش قليلاً، تلك الرعشة التي أتته بعد السكتة، والتي اعتاد عليها كما يعتاد المرء على جار ثرثار. أمامه، على الطاولة الصغيرة، صورة لابنه بالزي العسكري. والتقويم الجداري يظهر شهر سبتمبر سنة 2024.
لم يسمع دوي الانفجار الأول. كان هناك شيء آخر: صمت غريب، كثيف، مثل قطعة قماش مخملية ثقيلة تسقط على العالم فجأة. ثم الاهتزاز. كأس الماء ارتجف، ثم استقر، ثم ارتجف مجدداً. نظر إليه مندهشاً، كما لو أن كأساً يمكنه أن يخونه. في تلك اللحظة بالذات، سمع صوت الابن يضحك. وهم؟ لا، لم يكن وهماً تماماً. كان تذكراً مفاجئاً، متطفلاً، لضحكة الصبي وهو في السابعة، حين أهداه دراجة هوائية حمراء. نفس الضحكة. نفس البراءة. وكأن الزمن طوى نفسه فجأة، وأعاد عقوداً كاملة إلى نقطة الصفر.
خرج إلى الشرفة. السماء هناك لم تكن سماءً بعد الآن. كانت لوحة قاتمة من غبار ولهب، ترسم فيها قناصة الشياطين (كما سيسميهم الناس لاحقاً ) لوحتهم الأخيرة. رأى جاره أبو علي واقفاً في شرفته المقابلة، ينظر إلى الأعلى. نظر إليه أبو علي، فتح فمه ليقول شيئاً، لكن الكلمة لم تخرج. تجمدت في حلقه كسمكة عالقة بشبكة. لم يتحدثا كثيراً في السنوات الماضية. خلاف قديم حول سياج بين منزلين. لكن في تلك الثانية، رأى فيه أبو علي أخاً لم يره من قبل. أشار إليه بإصبعه: انزل. إلى القبو. لم يسمع الكلمة، بل قرأها من حركة شفتيه. هز رأسه: لا. لماذا لا؟ لم يعرف. ربما لأن القبو ضيق، مظلم، يذكره بالقبر. ربما لأن الكرامة أحياناً تكون أثقل من الجسد.
سمع صفيراً. ليس صفير قذيفة. صفيراً مختلفاً. صفيراً يأتي من الداخل. من صدره. كان يتنفس بصعوبة. ضغط بيده على صدره، شعر بقلبه يقفز كطائر مذعور داخل قفص. فكر فجأة في والدته. ماتت قبله بأربعين سنة، لكنه تذكر فجأة كيف كانت تمسح عرقه بقطعة قماش مبللة في ليالي الصيف الحارة. ذلك الإحساس بالبرودة على جبينه. الآن، لا قطعة قماش. لا والدته. لا شيء سوى الغبار والدخان ورائحة شيء يحترق، ليس خشباً، ليس بلاستيكاً، شيئاً عضوياً، شيئاً كان حياً قبل دقائق.
ثم حدث ما لم يتوقعه. الهدوء. ليس هدوءاً حقيقياً، بل هدوء الصدمة. تلك الثواني التي يعتقد فيها المرء أن الكابوس انتهى، قبل أن يعرف أنه بدأ للتو. نظر إلى ساعته القديمة، هدية من زوجته في ذكرى زواجهما الخامسة والعشرين. العقارب تشير إلى أن عشر دقائق فقط مضت. عشر دقائق؟ بدت وكأنها عمر كامل. بدت وكأن فيها كل أعمار الذين سقطوا، وأحلامهم التي لن تكتمل، وكلماتهم التي لن تقال.
سمع صراخاً من بعيد. صراخ امرأة. عرف الصوت. جارته أم هادي. كان ابنها قد رجع من الجبهة قبل أسبوعين مصاباً. كان يقف معها في الشرفة قبل ساعة، يشرب الشاي. الآن صراخ. وصمت هادي.
نظر إلى السماء مجدداً. في مكان ما، خلف الغبار، كان الأرز لا يزال قائماً. شجرته المفضلة منذ الطفولة. كان يعتاد تسلقها مع أصدقائه، يخبئ الكتب بين أغصانها. الأرز لا يسقط بسهولة. جذوره تمتد في عمق الأرض مئات السنين. لكنه رأى أجزاء من أشجار أخرى تطير في الهواء. لا توجد شجرة في العالم تجيد الوقوف عندما يقصفون الهواء نفسه.
جلس على الأرض. لم يعد يشعر برعشة يده. لم يعد يشعر بفنجان القهوة. لم يعد يشعر بالخوف. شعر بشيء واحد فقط: التعب. تعب عمر كامل اختزل في عشر دقائق. أغمض عينيه. في تلك اللحظة بالذات، لم يكن يسمع شيئاً. لا صفيراً، لا صراخاً، لا دوي انفجارات. كان يسمع فقط صوت ابنه يضحك. نفس الضحكة. نفس الدراجة الحمراء. ونفس الأرز الذي يظللهما معاً.
في مكان ما، على بعد أمتار قليلة، كانت يدان تخرجان من تحت الأنقاض. يد طفل صغير. أصابعه تتحرك قليلاً، كأنها تبحث عن شيء. عن ضوء. عن هواء. عن بقية جسده الذي لم يعد موجوداً. في مكان آخر، كان رجل يكمل جملته التي بدأها قبل الانفجار الأول: “لو كان عندي وقت أكثر، كنت…” ولن يعرف أحد كيف ستنتهي الجملة. هناك جمل كثيرة لا تنتهي في هذه الدقائق العشر. أحلام كثيرة تموت قبل أن تولد. وقلوب كثيرة تتوقف، فجأة، مثل ساعة رخيصة.
الليلة، حين يأتي الليل بصمت الثقيل، ستحاول الحارات أن تنام. ستغمض عيونها على وجع لا اسم له. على أسماء راحت دون وداع. على أطفال سيبحثون عن أمهاتهم في المنام. لكن النوم سيكون مستحيلاً. لأن كل تكّة، كل صوت، كل صمت مفاجئ سيكون احتمالاً لآخر مرة. آخر نفس. آخر نظرة. آخر كلمة.
عشر دقائق. ليست حرباً. الحرب شيء آخر. الحرب لها استراتيجيات، وأهداف، وإعلانات انتصار. هذه العشر دقائق كانت أبسط من ذلك. كانت كميناً. كانت قنصاً للأرواح الواحدة تلو الأخرى.
في الصباح، حين تشرق الشمس على أنقاض لم تكن موجودة أمس، سيجمعون ما تبقى. أجزاء من جدران. أجزاء من ذكريات. أجزاء من أجساد. سيصلون على الأرواح التي صعدت. سينتحبون. لكنهم لن يعرفوا كيف يشفون. كيف ينامون. كيف يعيشون بعد أن رأوا الموت بهذه السرعة، بهذه البساطة، بهذا الحضور اليومي.
لأن هناك جروحاً تحتاج إلى أكثر من عمر، أكثر من زمن، أكثر من نسيان .
جروح اسمها: عشر دقائق.