الأخبار الشاملة والحقيقة الكاملة​

2026-05-24

6:23 مساءً

أهم اللأخبار

أهم اللأخبار

2026-05-24 6:23 مساءً

قراءة في “شىء من الدفء”

010

إنتصار بوراوى

“شىء من الدفء” رواية مرضية النعاس .. والنعاس هي رائدة الرواية النسائية في ليبيا …

حدث في العام 1964 .. بجهود الراحلة الكبيرة ” خديجة الجهمي ” أن صدرت مجلة ” المرأة الجديدة هذا العام محطة فارقة في تاريخ صحافة وكتابة المرأة إذخرجت معها إلى النور أقلامٌ نسائية ليبية رائدة ‏في مجال العمل الصحفي و الكتابة الصحافية والقصصية، وكانت “مرضية النعاس” ضمن ‏هذه الأقلام النسائية الرائدة في الكتابة الصحافية الليبية.‏

الرائدة خديجة الجهمي

Extra 253 قراءة في "شىء من الدفء"

الصحافية والقاصة والروائية مرضية النعاس، ولدت في درنة عام 1948م، وتحصلت على ‏‏ليسانس القانون من جامعة قاريونس، وبدأت الكتابة الصحافية عبر مجلة المرأة، ثم كان لها ‏السبق في إصدار أول رواية تكتبها امرأة في ليبيا ، وهى رواية “شيء من الدفء”، التي ‏صدرت في عام 1972م، بعد أن نشرتها في حلقات بمجلة “المرأة ‏الجديدة” في ستينيات ‏القرن العشرين. ‏

وكما يقول الكاتب بشير الهاشمي في كتابه “خلفيات التكوين القصصى في ليبيا: “إنه من ‏التجني الحكم على القصص التي كتبها الكتاب في ‏أوائل الخمسينيات خارج نطاق المرحلة التي ‏ظهرت فيها”؛ كذلك فإنه من التجني قراءة رواية ‏‏”شيء من الدفء” لمرضية النعاس خارج ‏الظروف التاريخية والاجتماعية والفكرية لتلك ‏المرحلة، ولهذا سنقرأ روايتها ضمن الإطار ‏الزمنى، التي صدرت فيها وهو عقد الستينيات من القرن العشرين الذى شهد ظهور ،كاتبات ‏قصصيات وروائيات عربيات طرحن مواضيع تخص حقوق المرأة وتطلعاتها عبر روايتهن ‏ومجموعاتهن القصصية.‏

في رواية “شيء من الدفء” تسرد الكاتبة مرضية النعاس عبر روايتها شخصية لطالبة ‏ليبية  جامعية ‏وكيفية تعاملها وتشابكها مع الرجل، ومن خلالها ترصد الواقع الاجتماعي للفتاة ‏الجامعية ونضالها من أجل ‏الاعتراف بحقها في اختيار شريك حياتها،وهي قضية كانت تُطرح ‏بقوة في المجتمع ومن ‏خلال الصحف والمجلات ،الصادرة في ستينيات القرن العشرين حيث ‏تبدأ الرواية بخصام بين الزوجين بطلي القصة، تعود على أثره بطلة الرواية بأسلوب ‏‏”الفلاش ‏باك” إلى السنوات السابقة، راويةً بضمير المتكلم أحداث لقائها الأول وتعرفها على ‏محمود ‏ومطعمةً السرد الحكائي بتأملات ذاتية قائلة:‏

‏”إن قلوبنا لا تنقاد لرغبات عقولنا، إنها في الغالب تكون متمردة منفصلة عن ظروفنا”.‏

Extra 9.jpg13 9 قراءة في "شىء من الدفء"

فصوت البطلة متمرد على صوت المجتمع، وإطاره، ونظمه، وأنساقه المتمثلة في صورة ‏الأب، ولكن بطريقة ‏مسالمة ودون اصطدام مباشر به؛ لأنها تعيش حالة من الصراع النفسي ‏بين “أنا” تحاول ‏اختيار مصيرها بنفسها، و”أنا” أخرى تشدها لموروثها الاجتماعي، ولأنها ‏شخصية لا تمتلك القوة أو القدرة على المواجهة والدفاع عن خيارها، فإنها كثيراً ما ‏تستند ‏إلى أخيها الشاب المثقف الذي تقول عنه:‏

‏”أنا وأخي تشعر بأننا نبض واحد لمفاهيم جديدة فيها كل مقومات الشخصية والوجود” (ص ‏‏‏47).‏

فهي تجد في الأخ وجهاً آخر من وجه الشخص الذي أحبته واختارته، بينما تقف شخصية ‏‏‏”محمود” خلال كل مراحل مواقف الرواية ،وكأن لا حضور ولا فاعلية له، فهو يتابع ‏الأحداث ‏المتتالية أمامه بحياد ويراقب البطلة ،وهي تتخبط في أفكارها وتداعياتها دون أن ‏يحرك ساكناً، ‏بحيث يبدو وكأن الكاتبة قيدت تحركات شخصيته، ولم تمنحه حيزاً أوسع من ‏الحرية للتعبير عن ذاته كما فعلت مع البطلة،  التي لم تتوقف طيلة الرواية عن نقد مجتمعها، ‏مبدية سخطها وعدم ‏رضاها عن المنظومة الاجتماعية المتحكمة فيه، والتي تظهر من خلال ‏حواراتها مع أخيها ‏وأحياناً أخرى في صورة “مونولوج” داخلي كما يظهر من خلال كلماتها ‏التالية:‏

‏”الاختلاط في عرف مجتمعنا ممنوع، الحب محرم يستحق الرجم، الشباب ضائع لا يعرف ‏‏التصرف، قلق، حائر بين عهدين.. عهد مضى.. وعهد آتٍ يتطلع إليه بأمل” (ص 84).‏

العبارات التي تطلقها بطلة الرواية تمثل صوت المرأة المتعلمة في ستينيات القرن العشرين ‏الممتلئ ثورة وتمرداً ‏على العادات والتقاليد البالية، والذي تمثل في الشخصيات المحورية ‏الثلاث التي تدور حولها ‏الرواية: البطلة، البطل، والأخ، ولأن الكاتبة ترصد نموذج الفتاة ‏الليبية المتعلمة في تلك ‏الفترة، لذا فهي تهتم بشخصية بطلة القصة، أكثر من باقي ‏الشخصيات، وتحاول إبراز ‏شخصيتها من خلال الرواية وبيان تمردها، ولكن تمرد البطلة يظل ‏تمرداً صوتياً كلامياً، فهي ‏تقف عاجزة في كل مواقف الرواية عن الفعل أو التغيير؛ حيث تقول ‏في أحد سطور الرواية:‏ ‏”رأيت معطفي بيد أختي، عرفت بحكم العادة والتجربة بأن هناك في ‏قعر البيت رجلاً من رجال ‏عائلتنا العريقة، وعيب أن يشاهدني سافرة”.‏

فالبطلة تعي أن “المعطف” هو رمز للمنظومة المجتمعية التي تفرض عليها أسلوب ونوع ‏ملابسها، وهي التي ترفضها ولا تجد خلاصاً من كل هذه المنظومة إلا بارتباطها ‏بمحمود؛الرجل المثقف الذي اعتقدت بأنه سيستوعب حالة الرفض و الصدام مع المجتمع  ‏الذي تعيش فيه بطلة الرواية، ولكنها تكتشف بأنها رسمت صورة مغايرة وأكبر من حقيقته ‏الواقعية  وصبغته بصبغة أسطورية حالمة، وتجاهلت التناقض والفصام اللذين نلمحهما في ‏وقائع الرواية في شخصية بطل الرواية.‏

تكتسب رواية “شيء من الدفء” أهميتها التاريخية ليس فقط من كونها “البذرة الأولى” ‏للرواية النسائية الليبية، بل من جرأتها في ملامسة قضايا كانت تعد من المحرمات الاجتماعية ‏في ستينيات القرن الماضي، ومع ذلك، يلحظ القارئ المتأمل مفارقة فنية واضحة، فالرواية ‏التي حملت “مضموناً ثورياً” ينادي بتحرر الفتاة واختيار مصيرها، صيغت بـقالب سردي ‏تقليدي لم يحاول الخروج عن الأطر المألوفة للبناء الروائي الكلاسيكي.‏

ورغم استخدام الكاتبة لتقنية “الفلاش باك”، إلا أن السرد ظل محافظاً على تتابعه المنطقي ‏والمباشر، مبتعداً عن التعقيد الفني أو التداخل الزمني الذي بدأ يظهر في الروايات العربية ‏التجريبية في تلك الحقبة.‏

الصحافية القاصة مرضية النعاس

Extra 254 قراءة في "شىء من الدفء"

‏ كما خلت الرواية من المحاولات الحداثية في اللعب باللغة ،أو تعدد الأصوات (البوليفونية) ‏بشكل معمق، حيث ظل صوت “الأنا” الساردة هو المهيمن، كما أن الروائية لجأت إلى أسلوب ‏المباشرة والتقريرية، خاصة عند طرح القضايا الفكرية، وهو أسلوب ينم عن رغبة ملحة في ‏إيصال الرسالة التوعوية للجمهور، مما طغى أحياناً على الجانب الجمالي والتجريبي في ‏الرواية.‏

ويعكس خلو الرواية من “التجريب” حالة البدايات؛ فالمهمة الأولى للمبدعة في ذلك الوقت ‏كانت “إثبات الوجود” وطرح القضية، بينما ظل تطوير الأدوات الفنية مرحلة تالية لم تنضج ‏إلا مع تراكم الخبرة الروائية الليبية ،حيث أصدرت بعد ذلك رواية أخرى وعدة مجموعات ‏قصصية ،ويكفي الكاتبة أنها كانت حاملة مشعل الريادة الأدبية ،في مجال كتابة الرواية ‏النسائية في ليبيا في رواية ،عكست فيها مأزق المرأة مع المثقف الليبي في تلك الحقبة وربما ‏في كل الحقب؛ حيث كانت الرواية ،صرخةً مخنوقةً تحاول العبور من ضيق الموروث إلى ‏سعة ‏التحديث لكنها ظلت أسيرةً لمثاليةٍ حالمة، اصطدمت بواقع صارم وقوى في نظمه ‏وأنساقه وهندسته الاجتماعية .‏

__________________**

توقفت الناقدة عند صفحات محدده في الرواية ص 47 / ص 84 _ للقراء .

وتنوه أن القراءة نشرت سابقا عبر مجلة الفصول الأربعة ضمن ملف عن الكتابة النسائية فى ليبيا

إِنضاج الأَحلام في مجامر السَّرد

البنغازيات في حكايا شنيب وبوراوي

القاص خليفة الفاخري…والكتابة التي لا تخون الروح

أديبة طيفها يقتفي أثر الغائب والحاضر وتقرأ بتلطف رسائل حب الفلاسفة

شارك المقالات:

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حاسبة العملة