تواجه فيلا سيلين الرومانية، الواقعة بالقرب من موقع لبدة الكبرى الأثري على الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط، تحديات إنشائية وبيئية أدت إلى تدهور حالة الجدران المحيطة بها، وتآكل أجزاء من حجارتها، وسقوط بعض العناصر الهيكلية منها.
ولهذا أقدمت مراقبة آثار لبدة على إطلاق مشروع فني لترميم وصيانة الجدران المتضررة، وذلك للحفاظ على هذا المعلم واستقراره بنيوياً.
بدأت أعمال الترميم الميدانية في 26 أبريل الماضي، ولا تزال العمليات مستمرة حتى الآن، حيث يجري تنفيذ المشروع من خلال فريق فني تابع لمراقبة آثار لبدة، بدعم من بعثة جامعة روما الثالثة، التي تولت توفير المواد الأساسية اللازمة للتدخل الصدفي، وفي مقدمتها الجير الهيدروليكي المخصص للمباني الأثرية.
المنهجية والمواد المستخدمة
تتبع عمليات الصيانة المنهجية العلمية المعتمدة في ترميم الآثار، والتي ترتكز على معالجة الجدران وإزالة الأجزاء التالفة وغير المستقرة، واستبدالها بحجارة جديدة تماثل الحجارة الأصلية من حيث التكوين والنوع.
كما يلتزم الفريق بمبدأ التمييز الأثري، وذلك عبر إظهار الفارق بين المداميك الأصلية والأجزاء التي تمت ترميمها حديثاً للحفاظ على أصالة الموقع، وقد اقتصرت المواد المستخدمة في أعمال البناء والربط على خامات الجير الهيدروليكي كمادة رابطة أساسية، الرمل الخشن (بنوعين مختلفين من حيث الألوان لضبط المظهر البصري لخليط الملاط)، المياه العذبة، الحجارة المتوافقة مع طبيعة الموقع.
يجري تنفيذ الأعمال الميدانية بواسطة فريق فني متخصص، استعان بخبرات حرفية متخصصة في عمليات قطع وتشكيل الحجارة وصناعة الفسيفساء.
موقعها وتاريخها
تقع فيلا سيلين في منطقة سيلين على الساحل الغربي لليبيا، وتطل على البحر الأبيض المتوسط بإطلالة خلابة تعكس روعة الموقع الجغرافي وأهميته في العهد الروماني.
تعتبر الفيلا إحدى أبرز استراحات الأثرياء الرومان، وتمثل نموذجًا للفخامة التي كانوا يعيشونها خارج أسوار المدن. تتبع الفيلا حاليًا بلدية الخمس، الواقعة على بُعد حوالي 100 كيلومتر شرق العاصمة طرابلس.
وبنيت الفيلا في القرن الثاني الميلادي، وأعيد اكتشافها في سبعينيات القرن الماضي، لتصبح من أهم المعالم الأثرية التي توثق التاريخ الروماني في ليبيا.
تضم فيلا سيلين 46 غرفة موزعة حول فناء واسع يطل مباشرة على البحر، وتتميز الفناءات بأعمدتها الحجرية المكسوة بالجص.
فسيفساء سيلين
أظهرت الحفريات الأثرية تفاصيل معمارية دقيقة وزخارف مبهرة على مساحات واسعة من أرضيات الفسيفساء، التي تبلغ مساحتها حوالي 400 متر مربع، هذه الأرضيات تصور مشاهد من الحياة اليومية للرومان، إضافة إلى تمثيلات أسطورية تعكس المعتقدات السائدة في ذلك العصر.
كما تُظهر هذه الزخارف قدرة استثنائية في فنون التصميم، مما يجعلها شاهدًا حيًا على تطور الفنون في العهد الروماني.
من بين أبرز أعمال الفسيفساء في الفيلا، لوحة فنية تصور سباق العربات الذي كان يُقام في ميدان لبدة، حيث يظهر مشهد السباق بتفاصيل دقيقة ومبهرة. كما تشمل الفسيفساء الشهيرة لوحة تمثل “ربات الفصول الأربعة”، التي تعكس رمزية الفصول المناخية ودلالتها في الحياة الرومانية.
تتميز فيلا سيلين بكونها ليست مجرد استراحة فاخرة، بل هي أيضًا متحف مفتوح يوثق الحياة الاجتماعية والثقافية للرومان في ليبيا، ما يجعلها وجهة تاريخية وثقافية بارزة على الصعيدين المحلي والعالمي.