الأخبار الشاملة والحقيقة الكاملة​

2026-06-12

3:04 مساءً

أهم اللأخبار

أهم اللأخبار

2026-06-12 3:04 مساءً

لعنة الكلمات

مجد العماري

مجد العماري

في علية تئن من صمت الزمن، تسللت “ليان” بين صناديق الذكريات المدفونة، أصابعها ترسم خطا رفيعا على غبار الآلة الكاتبة التي شغلت زاوية المنضدة المتشققة. كانت المفاتيح البالية تشبه أسنانا سوداء تهمس بأسرار منسية. 

(نقرات خفيفة) 

  • من يكتب هنا لا يملك إلا الحقيقة. (همسة الغبار) 

(صوت مفصلها وهي تجلس) 

  • أكتب لأعيش. (ردها الجاف) 

أضاءت شمعة مائعة الضوء وجهها المرهق. ارتجفت الأوراق الصفراء تحت أنفاس النافذة المشرعة، وكأنما ترفض الكلمات الجديدة. بدأت تضغط على المفاتيح بقسوة، فانبعثت حشرجة ميكانيكية كنبض قلب مريض. 

(عاصفة مفاجئة تطفئ الشمعة) 

  • …كان يحب قهوة القرنفل. (جملة تكتب نفسها بخط مرتعش) 

توقفت أنفاسها. ذاك الوصف الدقيق لوالدها المتوفى، تفاصيل لم تخبر بها أحدا. استمرت الآلة في السرد: حكاية رجل باع مكتبة العائلة ليدفع ثمن جرعة مهدئة لابنته المصابة بالرهاب. 

(ظل يتشكل خلفها) 

  • التضحية وهم يبيعه الفقراء. (صوت كخدش على زجاج) 

التفتت. لم تر سوى انعكاسها الباهت في المرآة المغبرة. لكن الأوراق استمرت تفيض بحبر أسود لزج: تفاصيل انتحار كاتبة فاشلة عام ١٩٤٧، رسالة اعتراف مزيفة لزوجها، سر عن طفل ولد ميتا في الغرفة نفسها. 

(أصابعها ترتجف فوق المفاتيح) 

  • هذه ليست كلماتي! 

(الآلة تسرع بنقرات هستيرية) 

  • كل كذبة نرويها تصير حقيقة. (جملة تنحت نفسها في الورقة) 

أحست ببرد يلامس رقبتها. في المرآة، ظهر خلفها رجل بوجه شاحب، يداه تمسكان بالآلة الكاتبة كأنما يصلي. عرفت أنه الكاتب الذي اختفى عام الانقلاب، ذاك الذي نشرت روايته الأخيرة بعد موته بخط مختلف. 

(الظل يهمس بأذنها) 

  • الكتابة سطو على أرواح الآخرين… 

انحنت الورقة فجأة كجسد ينكسر. رأت اسمها يظهر في نهاية المخطوطة، مع تاريخ غد محددا بخط أحمر. خارج النافذة، بدأ نداء أذان الفجر الأول يذوب في ضباب الصباح الباكر. 

(الآلة تصمت فجأة) 

  • من يقرأ النهاية يصير جزءا منها. (آخر سطر) 

تركت الغرفة بخطوات متثاقلة، تاركة خلفها شمعة جديدة. في الطابق السفلي، سمعت ضحكات أهل البيت تناقش جائزة أدبية كان والدها رشح لها قبل موته. نظرت ليدها اليمنى، حيث بدأ حبر أسود غير مرئي للآخرين ينساب من تحت أظافرها. 

عند الغروب، عثرت الخادمة العجوز على الآلة الكاتبة وقد امتلأت أدراجها بأوراق بيضاء ناصعة، تنتظر.

شارك المقالات:

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حاسبة العملة