يشكل مرض نقص المناعة المكتسبة تحديا في المجتمع يزيد من الأعباء الملقاة على عاتقه، رغم انخفاض نسب الانتشار مقارنة بالدول الأفريقية، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تزايدًا في عدد الإصابات، لا سيما بين فئات الشباب ومتعاطي المخدرات.
حالات غير مسجلة
وفي هذا الصدد أوضح المركز الوطني لمكافحة الأمراض، في بيان له منذ أيام أن “إجمالي عدد الحالات المؤكدة المصابة بالفيروس حتى نهاية عام 2024، بلغ 8271 حالة، بينها 369 حالة جديدة تم تسجيلها خلال العام نفسه”، وعلى الرغم من ذلك أكد المركز أن “نسبة الانتشار في المجتمع بشكل عام لا تزال تتراوح بين 0.1% و0.3% فقط، وهي نسبة منخفضة مقارنة بعدد من الدول في المنطقة”.
من جانبه أفاد المستشار بإدارة مكافحة الإيدز والأمراض المنقولة جنسيًا بالمركز أحمد سليمان العربي، أن “المسوحات الميدانية التي أجراها المركز بين عموم السكان، بما في ذلك النساء الحوامل، أظهرت نسب إصابة منخفضة جدًا، تقل عن 1%، وهي مؤشرات إيجابية تدل على أن الانتشار لا يزال محدودًا في المجتمع العام”.
وأشار إلى أن “احتمال وجود حالات غير مسجلة نتيجة الخوف من الوصمة والتمييز الاجتماعي، ما يجعل العدد الفعلي مرشحًا لأن يكون أعلى بدرجة محدودة”.
وأكد العربي أن “نمط فيروس الإيدز في ليبيا، لم يشهد تغيرًا يُذكر خلال السنوات العشر الماضية”، لكنه شدد على أن استمرار مواجهة التحديات، وخاصة المرتبطة بالوضع العام في البلاد، يتطلب جهدًا مشتركًا.
نسبة منخفضة
من جهته، أكد عضو المجلس الاستشاري العربي الأفريقي للتوعية، علي المبروك بوقرين، أن “نسبة انتشار المرض في ليبيا منخفضة مقارنة بالدول الأفريقية، ومتقاربة مع دول شمال أفريقيا، حيث تتراوح النسبة بين 0.1% إلى 0.2% أو أكثر قليلًا”.
وأشار إلى أنه “رغم انخفاض النسبة العامة، إلا أن البلاد شهدت ارتفاعًا في الحالات بعد عام 2011، حيث تتراوح أعداد المسجلين بين 8000 إلى 10000 حالة أو أكثر، في ظل غياب بيانات دقيقة.
وأشار إلى أن “غياب الاستقرار والانقسام السياسي، وفقدان التنسيق بين القطاعات ذات العلاقة، وزيادة أعداد المهاجرين غير النظاميين، وعدم توفر خدمات الفحص المبكر في المنافذ والمعسكرات، كلها عوامل ساهمت في زيادة نسب العدوى، خاصة في ظل تسرب أعداد كبيرة من المهاجرين داخل البلاد”.
ودعا الجهات المعنية كافة إلى تبني مشروع وطني شامل، يتحول من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن العلاج المتأخر إلى الوقاية المبكرة، من خلال إعادة بناء نظام صحي موحد، قوي، مرن، فعال ومنصف، يحافظ على صحة المجتمع ويحسنها.
بيانات مشكوك فيها
واتفقت البيانات والإحصائيات التي أوردها مركز مكافحة الأمراض مع ما أشار إليه أبو قرين بنسبة كبيرة، خاصة وأن المركز الوطني لمكافحة الأمراض الحكومي كشف في منتصف 2023 أن عدد المصابين بالإيدز بلغ 8000 حتى نهاية 2021، فيما كشفت إدارة مكافحة الإيدز والأمراض المنقولة جنسيا بالمركز الوطني لمكافحة الأمراض، في تقريرها السنوي لعام 2023، أنّ العدد التراكمي لحالات مرض نقص المناعة المكتسبة الإيدز المسجلة بالمستشفيات الليبية خلال عام 2022، هو 7138 حالة، مشيرا إلى أن الدراسات أظهرت أن معدل حدوث الحالات الجديدة للفيروس في عموم السكان لمختلف الفئات العمرية بلغ 0.07%
تبدو من الأرقام الصادرة عن مركز مكافحة الأمراض أن هناك تضارب وتفاوت في الأرقام ما يرجح احتمالية ارتفاع طفيف في عدد الإصابات مع مرور أربع سنوات.
من جهة أخرى كان رئيس حزب «تجمع تكنوقراط ليبيا»، أشرف بلها، قد شكك في وقت سابق في عدد الإصابات بالفيروس المسجلة بالبيانات الرسمية، مشيرا إلى أن الوصم الاجتماعي الذي يعاني منه بعض المرضى، حتى من قبل بعض العاملين بالمشافي، «يدفع الطبقة الميسورة منهم للعلاج بالخارج رغم ارتفاع ثمنه بدرجة كبيرة، فيما يلجأ الفقراء للعلاج بالأعشاب».
نشر الإصابة
بشكل عام فإن مركز مكافحة الأمراض كشف عن الإحصائيات الصادرة الأسبوع الماضي لدحض ما يتم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي عن إصابات عديدة بفيروس الإيدز، والتي جاءت بعد أشهر قليلة من نشر فيديو منسوبة لـ«جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق»، يظهر سيدتين و7 رجال، وهم «يعترفون» علانية بتجربتهم مع «الإيدز»، ونشره عبر ممارسات محرمة بعضهم مع بعض ومع آخرين.
أثار نشر هذه الاعترافات موجة تفاعل عبر منصات التواصل الاجتماعي بين متعاطف معهم بسبب ما وصلوا إليه، وبين متهما ومجرما لهم بنشر الفساد والرذيلة.
وأكد جهاز دعم المديريات في منشور لاحق تمكنه من تفكيك شبكة واسعة كانت تعمل في الخفاء لسنوات وتورط أفرادها في ممارسات غير قانونية مع استدراج الشباب ونشر مرض نقص المناعة المكتسبة “الإيدز” في المجتمع
تحذيرات من ارتفاع الإصابات
وفي وقت سابق من عام 2017 كانت منظمة الصحة العالمية قد حذرت من ارتفاع نسبة انتشار فيروس (الإيدز) في ليبيا منذ عام 2011، حيث أوضح المتحدث الرسمي باسم مكتب منظمة الصحة العالمية في ليبيا أحمد سالم، “أن عدد حاملي فيروس نقص المناعة المكتسبة المسجلين في البلاد يقدر بحوالي 6330 مريضاً”، مؤكدا أن آخر تقييم أجرته المنظمة للنظام الصحي في ليبيا كشف انهياراً عاماً في الخدمات الطبية من حيث شراء الأدوية وتوزيعها، ترتب عليه نقص شديد في الإمداد الطبي، والأدوية المضادة لفيروس مرض نقص المناعة المكتسبة في كل أنحاء البلاد، ما أدى إلى وفاة الكثير من المرضى المصابين بالفيروس.
وفيات ومعاناة المصابين
ظلت أزمة معاناة مرضى الإيدز في ليبيا مستمرة حتى عام 2023، حيث أعلن عضو اللجنة العليا لرعاية الأطفال المحقونين بالفيروس إدريس الأغا، وفاة أحد المصابين، في وقت يواجه مصاب آخر بالمرض نفسه خطر الموت بعد دخوله في غيبوبة في إحدى المصحات بتونس، مشيرا إلى وفاة 130 مصاباً بالإيدز بسبب عدم معالجة ملف المصابين بشكل جذري، معتبراً أن الحل هو نقل جميع الأطفال المصابين إلى الخارج، وفي حال عجزت الدولة عن ذلك، يتوجب عليها توفير العلاج في الوقت المناسب وإنشاء مستشفى خاص بهم.
من جانبه أكد عضو اللجنة العليا لمتابعة أوضاع الأطفال المحقونين بالإيدز وائل محمد أبو سنينة، معاناتهم من «إهمال وتباطؤ» الحكومتين الليبيتين في متابعة أوضاع هؤلاء المرضى.
يتذكر أبو سنينة وهو أحد من تم حقنهم بالفيروس بـ “أنهم ظلوا تقريباً دون دواء ملائم لفترات غير هينة، ودون صرف أي مخصصات مالية تساعدهم على شرائه، أو علاجهم بالخارج، ما أدى إلى ارتفاع الوفيات بصفوفهم”.
ما بين تأكيدات مركز مكافحة الأمراض بانخفاض نسبة الإصابات بالمرض، وبين الأرقام المتضاربة والتشكيك فيها، تبقى معاناة المصابين بالفيروس الصحية والاجتماعية هي السمة الغالبة على المشهد.