أنس بن عامر
على امتداد أكثر من عقدين، ظلّ اسم الموزع الموسيقي الليبي “تميم” حاضراً في المساحة التي تتشكل فيها هوية الأغنية، حيث تؤدي الآلات الموسيقية دورها التعبيري وتحكي قصة يعجز الشاعر عن وصفها، فرحاً كانت أو حزناً، يرسم النغمة ويستحضر مزاج الأغنية قبل أن يبدأ الغناء. هناك، حيث يلتقي إحساسه العبقري بالنوتات، يصوغها بهدوء المفكرين، ليطبع علامة لا تحتاج إلى تعريف.
شغوف بالموسيقى، وقادر على تكوين نغمة متكاملة من حزمة أصوات تحيط به قد تبدو لنا عادية وعابرة، لكنه يتوقف عندها بموهبة وشغف منذ الصغر، ليستطيع جمعها وكتابتها فتتحول إلى نغمة تُبهر الأذن.

الأغنية لدى تميم لا تكتمل بالكلمات واللحن وحدهما، بل تبدأ من جديد حين تمرّ عبر رؤيته! يتعامل معها بوصفها كياناً قابلًا لإعادة التشكيل، فيمنحها بُعداً آخر، ويعيد صياغتها بطريقة تجعلها أقرب إلى المسامع، وأكثر مكوثاً في الذاكرة. ولهذا تحديداً ، تبدو أعماله (حتى تلك التي قدّمها في بداياته) كأنها صادرة اليوم، محتفظة بحداثتها، وبعيدة عن الملل، وكأن الزمن لم يمسّها.
منذ بداياته، انحاز إلى التفاصيل، تلك التي لا تُوصف، لكنها تصنع الفارق. أذن تلتقط ما لا يُسمع، وشغف لم يعرف التردد. تعلّم، وجرّب، وراكم خبرته، حتى أصبح له أسلوب واضح يُميّز حضوره منذ اللحظة الأولى لدخول الأغنية وحتى ختامها.
بدأ عام 2003 بأول أغنية مع سامو زين بعنوان “لولا هي” ومع منتصف الألفية، بدأ اسمه يبرز بشكل لافت من خلال تعاونات مهمة، من بينها العمل مع ماجد المهندس، وبالتحديد حين قدّم معه الميغا هيت “قوة قوة”، حيث ظهرت ملامح مشروعه الموسيقي بصورة أوضح، ومن هناك بدأت رحلة تثبيت اسمه كأحد صُنّاع الشكل الموسيقي في الساحة العربية.
ثم جاءت سنة 2006، وكانت نقطة تحوّل من موسيقي في بداية خطواته إلى محترف في طريقه لاكتساح السوق، حين بدأ اسم تميم يُتداول كـ”نجم توزيع موسيقي”.

مع اصالة ، لم يُغيّر صورتها، بل قدّمها بشكل موسيقي جديد يتماشى مع الجيل آنذاك، مع الحفاظ الكامل على هويتها الفنية وصوتها الطربي، فكانت أغنية “أكتر” محطة فارقة قرّبتها من جيل جديد دون أن تفقد جمهورها، ورافقها بأغنيتين في غاية الروعة: “أنا مش صعبة عليك” و”نسيني بيك” ضمن ألبوم “حياتي”.
ومع إليسا، التي كانت تبحث عن شكل موسيقي مختلف كلياً عمّا قدّمته في بداياتها، جاء تميم ليمنحها خامة حديثة تلبي رغبتها في التجديد، فكانت “بستناك” بداية لمرحلة جديدة بعبقرية تميم الذي حافظ على نعومة صوتها وقوة إحساسها .. تلتها سلسلة من الأغنيات التي تصدّرت ألبوماتها، مثل “أيامي بيك”، “تصدق بمين”، “أسعد واحدة”، إلى جانب مجموعة كبيرة من أبرز أعمالها مثل “أواخر الشتا”، “فاتت سنين”، “بطلي تحبيه”، “قلب وروح”، و“ما عاش ولا كان”، و“ملكة الإحساس”.

أما مع محمد حماقي، فقد قدّم تجربة نقلت الأغنية إلى مساحة إيقاعية أكثر انفتاحاً، وكانت “أحلى حاجة فيكي” عملًا مفصلياً لهم الإثنين وتميز حماقي بهوية موسيقية لا تشبه المتداول آنذاك، حيث أدخل تميم إيقاع الـHouse Music ليكون نقطة بداية جديدة وإضافة لأشكال الموسيقى على الساحة العربية، ومن أبرز أعماله معه: “وافتكرت”، “ما بلاش”، “كان مالي”، “بقت عادة”، “قالوا فيكي”، و“زيها مين”.
ولم يختلف هذا الحضور مع تامر حسني، حيث قدّم معه مجموعة من أنجح الأغنيات، مثل “ارجعلي”، “كل اللي فات”، “ما يحرمنيش منك”، “قرب كمان”، و“عرفت اللي فيها”، بأسلوب أعاد تقديم الأغنية المصرية الشبابية السريعة والرومانسية بنَفَس حديث.
كما تعاون مع شيرين عبد الوهاب في “حبيت” و“انكتبلي عمر”، حيث حملت الأولى عنوان الألبوم، وتصدّرت الثانية قائمة أجمل وأنجح الأغنيات سنة إصدارها.
أما وائل جسار، فقد قدّم واحدة من أشهر أغنياته “غريبة الناس”، وتلتها “خليني ذكرى”، إلى جانب أعمال مع مدحت صالح في “بلياتشو”، وجنات في “أنا دنيته”.
ومع هيفاء وهبي، استطاع أن يقدّم لها موسيقى تُشبه حضورها، في أعمال مثل “ما تقولش لحد”، “حاسة ما بينا”، و“ملكة جمال الكون”، “أزمة نفسية” وغيرها، حيث بدت الموسيقى امتداداً لشخصيتها الفنية الفريدة.
أما نجوى كرم، فكانت “ما بخبي عليك” من توزيعه وألحان وسام الأمير، واحدة من أبرز محطات مسيرتها الفنية، رغم أن التعاون لم يتكرر بعدها.
كما تعاون مع كارول سماحة في “ياما ليالي”، بسحر البيانو والكمنجة التي رافقت دخول الأغنية حتى نهايتها، قبل أن يعود ويتعاون معها في “بقيت أسد” عام 2024.
ومع نانسي عجرم سنة 2010 بأغنية “سلمولي عليه” وأغنيتين من ألحان الفنان الراحل محمد رحيم “عيني عليك” و”أوكيه”، إلى جانب أعمال أخرى ارتبطت باسم رحيم منها “إياك” لساندي، “يالرموش” لروبي، “لا ملامة” لحماقي، “أوسكار” لحميد الشاعري، “عقبال كل البنات” لأميرة، “طول ليلي” لشذى، “تشوفك عيني” و“أعشقك” لشهد برمدا، و“إرجع يلا” لرحيم نفسه.
ومع آمال ماهر، كان له دور واضح في تقديمها بشكل موسيقي حديث من خلال ألبوم “أعرف منين”، حيث منح صوتها مساحة جديدة أقرب لجيل الشباب، واستمر التعاون في “ولاد النهاردة” و“أيام ما تتعوضش”.
أما مع لطيفة، عام 2008، فقد كان لتميم حصة الأسد في تشكيل هوية ألبوم “في الكام يوم اللي فاتوا”، الذي تميّز عن أي عمل قدمته لطيفة طوال مسيرتها، خاصة مع دخول الكمنجة اللافت لأغنية عنوان الألبوم من توزيعه، الذي وصفته بـ”العظيم”، إلى جانب أعمال مهمة في أرشيفها مثل “أنا عارفة”، “سيبني شوية”، و“روحي بترد فيا”، قبل أن يتجدد التعاون معها عام 2024 في ألبوم “ما فيش ممنوع”، الذي حمل أيضاً بصمته الواضحة، خاصةً بأغنية “يا ليالي”.

كما امتدت أعماله إلى أنغام، وإيهاب توفيق، وهاني شاكر، وحكيم، ورامي صبري، ورامي جمال، وتامر عاشور، وسمية الخشاب، ونيكول سابا، وأسماء لمنور، وسامو زين، وهيثم شاكر، ومحمد نور، ومايا نصري، وزيزي عادل، وسارة الهاني، ومي كساب، ومي سليم، وجليلة، ومحمد الكيلاني، وأسماء سليم، وهبة مختار، وشيراز، وفرقة MTM… قائمة طويلة من الأسماء التي ترك معها بصمته الخاصة.
أما بداياته، فقد كانت من داخل الاستوديو مع حميد الشاعري، حيث بدأ خطواته الأولى في التعلّم، قبل أن يتفوّق ويلمع ليصبح علامة ليس لها مثيل في عالم التوزيع الموسيقي في المنطقة العربية بأكملها، ويجمعه به تعاون فني لاحقاً عام 2017، حين أعاد تقديم “جيت يا شتا” برؤية جديدة.
وفي مساحة أخرى، اقترب من الأغنية الوطنية، مقدّماً مزيج بين الإيقاع الحديث وروح النغمة الليبية، من بينها أعماله مع الفنان صلاح غالي، مثل “أوه بنغازي”، و“ليبيا وبس”، و“افتخري إنك ليبية”، وأغنية “يجمع شملنا يا الله” لـمحمد الوشيش.
ورغم هذا التنقّل الواسع، يحافظ تميم على هويته الخاصة… يستوعب التجربة ويضيف إليها، ولا يساوم على جودة صناعته الموسيقية، ولا يفرّط في مساحته الخاصة التي لا تشبه سواه.
لم يتوقف الأمر عند تنوّع أعماله، بل في حضوره داخلها! في الإيقاع، وفي توزيع الآلات، وفي المساحات التي يتركها للأوتار والمفاتيح لتقول ما لا يُقال، تفاصيل يُحسن رسمها بدقة وحس موسيقي ناضج.
وخلال مسيرته، نال تميم القلال عدداً كبيراً من الجوائز والتكريمات كأفضل موزّع موسيقي عربي.

بعد أكثر من عشرين عاماً، لا يزال تميم القلال حاضراً بالشغف ذاته، ويبدو تأثيره واضحاً على جيل جديد من الموزعين الذين ساروا على خطاه. بمزاجه الموسيقي الذي يفوق الطبيعة، وبملكة اللعب على وتر النغمات، وبقدرته على تحقيق تصوراته الموسيقية، لتبدو الأغنية لوحة متناسقة وكأنها أفضل ما قُدّم.
تميم… مسيرة سبقت زمنها… وما زالت.








