يونس الفنادي
لا يمكن إنكار جهود الأديب الكبير الراحل الدكتور خليفة التليسي في مجالات عديدة من بينها الترجمة من اللغة الايطالية التي وفرت معلومات غزيرة حول معارك جهاد الليبيين ضد الاحتلال الايطالي وغيرها من المكاسب الحميدة التي تحققت بفضل جهوده ومثابرته وجديته في تقديم كل ما يفيد الوطن ويرتقي به ويسهم في حفظ تاريخه.
ومن بين أهم الكتب التي ترجمها الدكتور التليسي رحمه الله كتاب (سكان ليبيا) لمؤلفه العقيد بالجيش الايطالي “هنريكو أُغسطيني” أحد أفراد المكتب السياسي العسكري لولاية طرابلس الغرب، وأعانه في ذلك عدد من العاملين معه بالمكتب من بينهم الأستاذ اسماعيل كمالي الذي أشار إليه شخصياً في مقدمة الكتاب.
ولم يكتفِ الدكتور التليسي بترجمة الكتاب حرفياً بل كتب مقدمة مستفيضة أبان فيها الكثير من الجوانب المتعلقة بالكتاب والخاصة تحديداً بالتركيبة الديموغرافية للبلاد وهجرات (بني هلال) و(بني سليم) وما أورده الرحالة العربي (إبن خلدون) وغيرها مما كتبه في ملاحظاته السبعة التي من أبرزها الملاحظة الأولى التي أوضح فيها مكانة الكتاب في وقت نشره وحتى هذا الوقت واصفاً إياه بأنه لا يمثل إلاَّ (قيمةً تاريخية محضة) فقط لا غير. كما أنه في الملاحظة الثالثة يبين أن الكتاب هو مجرد جهد فردي (أي قد يخطيء وقد يصيب) ولا يمثل إلاّ رأي مؤلفه – وليس مترجمه أو معربه – ولذلك فينبغي ألا ننظر إليه على أنه حجة قاطعة وسند نهائي لا يطاله النقد أو التصويب والتصحيح أو الاضافة.
وأخيراً فإنَّ الفكر الإنساني على مدى العصور يحترم كل الاجتهادات التي تحاول الوصول إلى بعض اليقين وتسعى لتحقيق إضافة تراكمية لما سبقها من إنتاج إنساني في كل الجوانب الحياتية، والدكتور خليفة التليسي رحمه الله سعى بكل إخلاص ومثابرة ليكون هذا الكتاب متوفراً باللغة العربية، ليسهم في التوثيق التاريخي الوطني بشكل خاص والإنساني بشكل عام، وينقل الأحداث كما سجلتها المصادر الإيطالية بفكر استعماري يبطن أكثر مما يظهر.
وهنا أنا لا أدافع عن الأديب الكبير الراحل خليفة التليسي ولا الكتاب الذي ترجمه ، ولكني أضع بين أيديكم المقدمة الشارحة التي كتبها التليسي رحمه الله باللغة العربية للكتاب الذي ترجمه من الإيطالية إلى العربية (سكان ليبيا) لمؤلفه الضابط الإيطالي (هنيركو أوغسطيني)، راجياً منكم التمعن في تتبعه التاريخي، وتحليله لروابط القبائل والعائلات وملاحظاته السبعة القيمة التي أوضح بها ما يتطلب التوضيح.
(( صورة التليسي وغلاف كتاب سكان ليبيا ))


مقدمة كتاب (سكان ليبيا) للدكتور خليفة التليسي
صدر هذا الكتاب المهم سنة 1917م. وكثيراً ما تحتاج الكتب المهمة وضعها في إطار فترتها الزمنية ، لبيان قيمتها والغاية المتوخاة من تأليفها ونشرها . وربما كان هذا الكتاب الذي نقدمه ، أكثر احتياجاً إلى التقييم الذي يضعه في إطاره الزمني، وظروفه التي صدر فيها. وصلة هذه الظروف بواقع الاستعمار الإيطالي، وأوضاعه التي كان عليها بليبيا في سنة 1917م.
ونتبيّن من هذا التاريخ الذي نُشر فيه، أنه قد جمع وصنف وصدر في فترة من أحرج الفترات التي مرَّ بها الاستعمار الإيطالي في هذه البلاد وهي الفترة التي أعقبت معركة القُرضَابية ، وانحسار المد الاستعماري عن الدواخل واقتصاره منذ أبريل 1915م على مدينتي طرابلس والخمس، وجلائه عن كافة المواقع الداخلية ، بكل ما ترتب على هذا الجلاء من كوارث ومحن لحقت كافة الحاميات في مختلف البقاع الإيطالية.
وقد أدركت إيطاليا في هذه الفترة – أكثر من أي وقت آخر- استحالة الاعتماد على القوة العسكرية في التوغل الداخلي وبسط النفوذ ، وقد جرَّبت من حملاتها الماضية ومن المصير الذي انتهت إليه حملة “مياني” على فزان ما عمّق في رجالها هذا الفهم، وأشعرهم بضرورة التركيز على العمل السياسي الذي يسبق العمل العسكري أو يتلوه.
ومن المآخذ التي سجلها الباحثون الإيطاليون على هذا الاستعمار، خبرته وضعف معرفته بالبلد الذي يريد استعماره، والإقامة فيه. فحين اتجهت ايطاليا إلى استعمار ليبيا لم تكن تتوفر إلاَّ على معلومات ضئيلة، وقد ظل أغلب الباحثين والدعاة الاستعماريين والصحفيين يرددون معلومات كلاسيكية عتيقة، تدخل في نطاق الأساطير والأدب الخيالي والموروثات القديمة أكثر من دخولها في إطار الواقع المعاصر.
ومن العجيب أن يلجأوا إلى الصور القديمة التي صورها بها “هيرودوت” و”بروكبيوس” و”تيودور الصقلي” و”سالستيوس” وغيرهم ، لا يرومون من ذلك إلهاب المشاعر بالآثار الكلاسيكية، ولكنهم فعلوا ذلك أيضاً، لتغطية الجهل.
على الرغم من العلاقات التاريخية التي قامت بين شواطيء البلدين، وعلى الرغم من الوثائق القنصلية، وتقارير الرحالة، فإنَّ هناك اتفاقاً وإجماعاً على أن حظ إيطاليا من المعلومات عن ليبيا، غداة العزم على احتلالها، كان ضئيلاً، ولا يبلغ شيئاً مما توفر للمحفوظات الفرنسية والانجليزية، من تقارير وملفات ودراسات قام بإعدادها القناصل والدارسون والرحالة الذين تعاقبوا على زيارة هذه البلاد في فترات مختلفة متذرعين لذلك بشتى الذرائع والأسباب. ولم تبطيء الأجهزة الإيطالية في التنبه إلى هذا الخلل، إذ أدركته غداة نزولها بالشواطيء الليبية، حين واجهت مقاومة عنيفة من الوطنيين، لم تكن تقدرها أو تضعها في الحسبان، ظناً منها بأنهم سيجدون في غزوها واحتلالها فرصةً للتخلص من الحكم العثماني. كما أدركت هذا الخلل والنقص غداة عزمها على القيام بحملتها على فزان بقيادة الكولونيل “مياني”، إذ شعرت وهي تستعد لهذه الحملة بنقص المعلومات التي تتوفر لديها عن هذه المنطقة، وسكانها، مسالكها، وآبارها، وأوضاعها البشرية والاجتماعية والتاريخية، فحاولت أن تسدَّ هذا النقص بالاستعانة بخبرة ضابط تركي سابق، كان يعمل في خدمة رجب باشا، الوالي التركي على طرابلس، كما شغل منصب “قائمقام” غات، ومثَّل المناطق الجنوبية في مجلس “المبعوثان”، ونعني به “عبد القادر جامي بك” الذي اجتمع به الكولونيل “مياني”، قبل النهوض للحملة، في مكتب وزير المستعمرات الإيطالي، بتدبير من السفير الإيطالي بتركيا. وكان من المقرر أن يسير هذا الضابط التركي السابق ضمن الحملة، إلاَّ أنَّ حكومة الولاية اعترضت على ذلك لما يحمله من دلالات سياسية، وما يثيره من تساؤلات قد تكون مضرة بالهيبة الإيطالية(*).
وتأكد الشعور بهذا النقص في المعلومات عقب الكارثة الكبرى التي حلت بالاستعمار الإيطالي في معركة القرضابية التي نشطت بعدها الأجهزة الحكومية الإيطالية للعمل السياسي الذي اقتضى إجراء مسح اجتماعي، لإدراك طبيعة التركيب البشري الاجتماعي لهذه البلاد، خاصة المناطق الداخلية التي وجهت بتركيبها القبلي التقليدي أقسى الضربات لهذا الاستعمار، ومثَّلت على الدوام (غرفة الانفجار) في كل وضع من الأوضاع التي نكب فيها هذا الاستعمار، وقد كان من ثمرات هذا المسح مجموعة من الدراسات والمؤلفات التي خلَّفها الدارسون الإيطاليون، ويبرز من بينها هذا الكتاب الذي جمع فيه الأستاذ “هنريكو دي أُغسطيني” جملةً من المعلومات البشرية والاجتماعية والتاريخية والجغرافية، وحاول من خلاله دراسة أصول السلالات والأنساب للأقوام القاطنين بهذه الرقعة من الأرض، وصلتهم بالأوضاع البشرية في منطقة الشمال الافريقي .
وقد نهض بهذا العمل على أحسن ما يكون النهوض الأستاذ “هنريكو أُغسطيني” الذي كان في ذلك الوقت ضابطاً كبيراً برتبة عقيد في المكتب السياسي العسكري لولاية طرابلس الغرب، مستعيناً في جمعه وتصنيفه بالأجهزة الموضوعة تحت تصرفه وبخبرة وثقافة بعض أعوانه والعاملين معه، من أمثال الأستاذ إسماعيل كمالي، صاحب الدراسات والاهتمامات التاريخية(**). وقد نوّهت المقدمة الإيطالية للكتاب بالدور الذي اسهم به إسماعيل كمالي في جمع المعلومات التاريخية. وأشارت إلى المراجعة التي قام بها المستشرق الإيطالي المعروف “كارلو ناللينو”. وقد كان “دي أُغسطيني” جامع هذا الكتاب من أنشط العناصر المثقفة التي توفرت للإدارة الإيطالية في ذلك الوقت، فقد عُرف بمشاركته العلمية الواسعة في كثير من الدراسات الاجتماعية والجغرافية والتاريخية عن ليبيا التي نشرها في كراسات أو في المجلات المتخصصة، مثل مجلة “المستعمرات الإيطالية”، وغيرها من الدوريات بالإضافة إلى الدراسات والأبحاث التي قام بتقديمها إلى الملتقيات والمؤتمرات العلمية والسياسية. وما من شك في أنه كان قوة دافعة ومحركة، وراء ذلك العدد الهام من الدراسات التي صدرت عن مكتب الدراسات الذي كان يرأسه أو يتقلد شأناً كبيراً فيه. ويبرز من بين هذه الجهود العلمية، عمله الهام الذي تمثل في كتابيه الشهيرين (سكان طرابلس الغرب) و(سكان برقة) وهما الكتابان اللذان حفظا ذكره، وأبرزا مساهمته بين العلماء والدارسين الإيطاليين. وقد ظل هذان الكتابان مرجعاً وحيداً في المجال الذي تصديا له، لا يستغني عنهما دارس أو باحث من الوطنيين والأجانب الذين يجمعون على قيمتهما العلمية وأهميتهما التاريخية، وينظرون إليهما على أنهما من أهم المساهمات التي خلَّفها الدارسون الإيطاليون في المكتبة التاريخية الليبية.


تلك لمحة ضرورية تضع الكتاب ومصنفه في إطارهما التاريخي، وتبيّن الدوافع والأسباب التي حركت لجمعه وتأليفه. وتقديراً مني لهذا المجهود العلمي، وشعوراً بالفراغ الذي نشكوه في المجال الذي يتصدى له بالدراسة، فقد صحَّ العزم مني منذ سنة 1968م على ترجمته وتقديمه للقارىء العربي، وللباحثين والدارسين المعنيين بتاريخ هذه البلاد، ورأيتُ أن أقدِّم له بهذه الملاحظات التي توضع أمام القارىء والدّارس حتى تنير له الطريق وتحميه من الأخطاء، وهي :
أولاً : إنَّ هذا الكتاب لا يمثل في الوقت الحاضر سوى قيمة تاريخية محضة.
ثانياً : إنه على الرغم من تجاوز البيئة للواقع الاجتماعي الذي يفصله هذا الكتاب، إلاَّ أنّه ما يزال يشكل قاعدة هامة، يمكن أن تنطلق منها كثير من الدراسات الاجتماعية (الانتربولوجية) التي تنتظر أن يتولاها الدارسون والباحثون الوطنيون، وأساتذة وطلاب الجامعتين الوطنيتين بطرابلس وبنغازي.
ثالثاً : إنَّ الكتاب على أهميته العلمية الكبيرة لا يمثل سوى اجتهاد فردي. وينبغي أن لا تزيد النظرة إليه، على أكثر، من أنه محاولة ضخمة في مجاله، وبداية هامة في ميدانه، ولا ينبغي أن ينظر إلى تقريراته وأحكامه على أنها حجة قاطعة، وسند نهائي. فقد كان جامع الكتاب نفسه من التواضع العلمي، والتحفظ المنهجي، بحيث لم يدع لنفسه شرف الكمال والرأي الحاسم، فقرر بوضوح وصراحة في مقدمة الكتاب: (لقد حاولنا أن نقدم قائمة بأسماء القبائل وفروعها وتجمعاتها الاجتماعية والتقليدية والسياسية، وتوخينا أن تكون كاملة بقدر الإمكان. لقد حاولنا أن تجمع معلومات مفيدة، في تعقب أصول القبائل نفسها، وربطها -بقدر الإمكان- بالقبائل القديمة البربرية منها والعربية التي روى لنا التاريخ والروايات المتواترة، أنها كانت من أقدم سكان الشمال الافريقي، أو أنها كانت من أقدم الشعوب النازحة إليه.
ومع ذلك ، فإن نتائج هذا التحقيق ، ستظل تبدو في ظل معرفتنا الحالية ناقصة في كثير من نقاطها، بل وفي كثير من الحالات، ذات طابع يعتمد على الافتراضات البسيطة. ومن المتوقع أن تتعرض إلى تعديلات، حتى فيما يبدو أحياناً، انها نتائج قائمة على أسس ثابتة راسخة. ولا يمكن إلقاء ضوء حقيقي على هذا الموضوع الواسع المتشعب إلاّ عن طريق الدراسة العميقة، لأحداث التاريخ المحلي الذي ما يزال في كثير من أجزائه محفوفاً بالغموض..).
مع كل هذه التحفظات العلمية ، لا نستطيع أن ننسى أنَّ المؤلف قد نهض لهذا العمل في وقت مبكر جداً، وفي ظل ظروف لم تكن سهلة ولا هينة، من جميع وجوهها التاريخية والسياسية. وقد استطاع أن يوفر لنا بعمله هذا جملةً من المعلومات الهامة التي تساهم فعلاً في إقامة (بناء تاريخي)، تتضح الحقائق التاريخية في إطاره بأكثر مما تهيأ لهذا الباحث.
رابعاً: سجّل هذا الكتاب، وفي وقتٍ مبكرٍ جداً أيضاً، أن التركيب القبلي قد فقد مفهومه (العرقي السلالي) المتجانس، وأصبح مجرد (مصطلح إداري) ونوعاً من الانتماء والترابط الاجتماعي بين القبائل المختلفة. ويتأكد ذلك من اختلاف أصول(اللحمات) المنضوية تحتها. كما سجل أيضاً (أن فكرة الأنساب، العزيزة على العقلية الأبوية القديمة، لا يمكن الأخذ بها حرفياً، ولكن ينبغي أن تؤخذ كتعبير عن علاقات التبعية والترابط بين القبائل المختلفة).
خامساً: نبَّه مصنف الكتاب (إلى أن التحديد الذي أخذنا به في التصنيف السلالي ليس له طابع خاص أو مطلق فيما يتعلق بتكوين القبائل الحالية، ولكنه يشير فقط إلى الأصل الذي تدعيه، أو العنصر الغالب عليها..) ومن ثم فإنَّ التصنيف الذي قدَّمه جامع الكتاب يوفر إمكانية المراجعة والتكميل، كما لا يمكن أن يتخذ على أنه حاسمٌ ونهائيٌّ.
سادساً: لهذا الكتاب أهمية جغرافية في ضبط أسماء كثير من المواقع التي خلعتها عليها القبائل التي استوطنتها. بالإضافة إلى الأهمية في دراسة التوزيع والكثافة السكانية، وطبيعة الحياة التي كانت تتراوح بين الترحل والاستقرار. وهو من هذه الناحية يشكل قاعدةً لدراسة التطور الاجتماعي والتحول الذي طرأ على المجتمع الليبي منذ صدور الكتاب حتى الآن. فضلاً عن أهميته في كشف الروابط العرقية السلالية والاجتماعية بين مختلف القبائل التي استوطنت الشمال الافريقي، وصلتها بالشرق والغرب وقرابتها وأخوتها التي تجعل من هذا التركيب التاريخي نوعاً من النسيج الاجتماعي المشدود بروابط الدم والنسب والتعاقد الاجتماعي.
سابعاً: تتيح لنا هذه المقدمة الفرصة للدعوة إلى تصحيح كثير من الأحكام التاريخية حول الهجرة العربية لبني هلال وبني سليم، وإعادة النظر في تهمة التدمير والتخريب التي لحقت بهجرتهم، حتى أصبحت هذه الهجرة ذريعةً يتذرع بها الكثير من المؤرخين في تبرير الخراب الذي حل بهذه المنطقة، فكأنما كانت قبلهم عَمَاراً متصلاً ومدناً زاهرة تنعم بأرفع المستويات الحضارية، وذلك ما لا يمكن تأكيده تاريخياً إذا تتبعنا مسالك هذه الهجرة التي تجنبت المراكز الساحلية في أغلب الحالات. بل إنَّ استقرار هذه القبائل الوافدة واندماجها، عبر العصور، مع الأقوام التي سبقتها إلى المنطقة، واستقرت بها، ليؤكد التماثل في التكوين الاجتماعي والظروف الحضارية. وما كان لظاهرة الاندماج والانصهار التي يرصدها هذا الكتاب في ظاهرة (بربرة العرب وتعريب البربر) لتتحقق على النحو الذي تحققت به، لو لم يكن ذلك التطابق والتوافق والتكافوء في المستوى الحضاري بين القومين اللذين يرجعان في الأصل إلى أرومةٍ واحدةٍ .. نتيجة الهجرات السابقة المماثلة للهجرة الهلالية طبقاً لما يقرره كثير من الباحثين المختصين. وعلى كل حال، فإننا نشعر أن هذه الهجرة قد ظُلمت ظلماً كبيراً فادحاً نتيجة الفكرة التي غرسها في أذهان الباحثين العرب والأجانب، تاريخ العلامة ابن خلدون. ومهما كان الرأي حول صحة هذه الأحكام فإن هذه الهجرة هي التي خلعت الطابع العربي على المنطقة، وحققت ذلك الاندماج الذي لم يتحقق طوال العصور التي خضعت فيها المنطقة لسيادات القرطاجنيين واليونانيين والرومان والبزنطيين. وقد كان الدين الإسلامي عاملاً حاسماً وهاماً في تحقيق هذا الانصهار والاندماج، وتحقيق تلك الظاهرة التي لم تقع إلاَّ في بلدان قليلة وهي التي أكسبت المنطقة الملامح التي تطالعنا بها في العصر الحديث، والتي اشتركت في رسمها الأمجاد القديمة للعرب والبربر على السواء، بحيث أصبح من المتعذر الآن، ردّ بعض القبائل البربرية العربية إلى أصولها العرقية السلالية على نحو حاسم قاطع، لا يعتمد فيه على مجرد الأخذ بالأسماء الباقية للقبائل والمواقع التي كانت تقطنها، كما فعل مصنف هذا الكتاب، في بعض الحالات مما عرضه للوقوع في الوه . وإن كان قد حاول أن يتغلب على هذه المشكلة بالتبسيط، فأدرجها كلها تحت تصنيف واحد (عرب بربر) الذي يغطي الأغلبية العظمى للسكان ….


نشير في الختام إلى المصادر التي اعتمد عليها المؤلف، بالإضافة إلى الجمع والاتصال بالمعنيين وضبط الروايات المتواترة. وتبرز بين مصادره الرئيسية تاریخ ابن خلدون وتصنيفاته المعروفة لأرومات البربر والعرب والتي شكلت على الدوام مصدراً هاماً من المصادر التي اعتمد عليها الدارسون والمهتمون بتاريخ هذه المنطقة من العالم، خاصة الدارسون الأجانب الذين عوَّلوا كلَّ التعويل على آرائه وأحكامه، واستندوا كل الإستناد إلى رواياته ومعلوماته. ونستطيع أن نتبيّن هذا الأثر بوضوح في هذا الكتاب، خاصة في اللمحة التاريخية التي قُدَّم بها لهذا المصنف.
كما أفاد المصنف من المصادر المحلية المتوفرة على قلتها، وأشار منها إلى كتاب الخروبي في مناقب بعض شيوخ عصره، وكتاب المكي (البحر الكبير) والبرموني في كتابيه ( لديوان في مناقب نجل سليم بن عمران) و(روضة الأزهار) ورحلة الشيخ أبي راوي وكتابي الشيخ عبد السلام بن عثمان (فتح العليم، والإشارات لبعض ما بطرابلس من المزارات) ثم كتاب إبن غلبون (التذكار) ودفتر الفقيه حسن (ضبط وقائع طرابلس اليومية منذ سنة 1235م إلى سنة 1275م) وكتاب (أنيس النفوس وخندريس الكؤوس) لأحمد القليبي، وكذلك رسائله إلى محمد شالا بي بيت المال. بالإضافة إلى بعض كتب الطبقات والأنساب التي من بينها كتاب أبي الفوز البغدادي.
وبعدُ، فإنَّ الرغبة في توفير المصادر التاريخية للباحثين والدارسين هي التي حركتني إلى تقديم هذا الكتاب في صورته العربية، علهم يجدون فيه منطلقاً لاستيفاء موضوعاته، وتصحيح أحكامه، وطرح أوهامه. فليس يصح في الأذهان أن يتخذ هذا الكتاب مصدراً دون أن يكون للمعنيين به دورٌ في تصحيحه وإبداء الرأي حوله. وإذا كنا نتفق على أنّ الأنظمة القبلية والعشائرية والعائلية قد مثّلت مرحلةً من مراحل التاريخ البشري، وأنَّ المجتمعات في تطورها الدائم قد تجاوزتها واستنفذت أغراضها، فلا شك في أننا نتفق أيضاً في أنها قد أصبحت موضوعاً تاريخياً يقتضي التبويب والتصنيف كما يبوّب الإنسانُ ويصنّف وسائله البدائية القديمة الأولى التي يعرضها في المتاحف، ويلم بها من حين إلى آخر، لمعرفة الماضي وتقدير الرحلة نحو التقدم والتطور.
أما الجهد المبذول في إخراج هذا الكتاب على النحو الذي هو عليه فتقديره متروكٌ للعالم المنصف والقارئ المقدر، وقد عنيتُ عنايةً خاصةً بوضع فهارسه العربية التي قسّمتها إلى فهارس للأشخاص والقبائل وفروعها ، وهي تشكل في مجموعها معجماً شاملاً للسكان وبعض البلدان. (( والله نسأل أن ينفع به رجال العلم وطلابه.))
خليفة محمد التليسي
طرابلس ليبيا 1 مايو 1974
(*) ENRECO DE LEONE(LACOLONIZZAZIONE DELL’AFRICA DEL NORD) CEDAM –PADOVA 1960 P.406
(**) للأستاذ اسماعيل كمالي دراسة بالايطالية بعنوان (سكان طرابلس)، منشورة بطرابلس في 1916 (المعرِّب).